دعوى حلول الكفيل في إجراءات الإفلاس في النظام السعودي

دعوى حلول الكفيل في إجراءات الإفلاس في النظام السعودي

تحميل دعوى حلول الكفيل والإفلاس
مقدمة وخلفية المشكلة

الكفالة هي إحدى صور التأمينات الشخصية للدَّين، والتي تتحقق بضم ذمة إضافية إلى ذمة المدين لضمان حق الدائن، وقد تأخذ التأمينات الشخصية صورة ضم ذمة إلى ذمة المدين على قدم المساواة. ومن صورها تضامن المدينين، وعدم تجزئة الدَّين، والدعوى المباشرة. وقد تأخذ صورة ضم ذمة تابعة إلى ذمة متبوعة وذلك شأن الكفالة، وقد يكون الرجوع على الذمة التابعة بالترتيب، أي بالرجوع على المدين الأصلي ثم الكفيل، وهو ما يتحقق في الكفالة العادية، وقد يكون في وقت واحد فيرجع الدائن على المدين الأصلي أو على الكفيل أيهما شاء ويتحقق ذلك في الكفالة التضامنية.

إن طبيعة التزام الكفيل في أحكام عقد الكفالة الواردة في نظام المعاملات المدنية هو أنه التزام تابع لالتزام المدين الأصلي، فالتزام المدين الأصلي هو الذي يحدد التزام الكفيل، وقد رتب النظام على ذلك عدة آثار:

  1. لا يجوز أن يكون التزام الكفيل زائدًا عن التزام المدين الأصلي أو أشد عبئًا، كأن يكون التزام الكفيل منجزًا وحالًّا في حين أن التزام المدين الأصلي معلق على شرط أو مؤجل، ولكن يجوز أن تكون الكفالة في مبلغ أقل، كأن يكفل الكفيل جزءًا من الدين أو أن تكون بشروط أخف، فإذا كانت الكفالة في مبلغ أكبر من مبلغ الدين، أو بشروط أشد، لا تنعقد ولا تصح إلا في حدود هذا الدَّين ووفق شروطه[1].
  2. لا يجوز أن يبقى التزام الكفيل قائمًا بعد انقضاء التزام المدين الأصلي[2].

كما أن من الآثار التي تترتب على كون التزام الكفيل تابعًا لالتزام المدين الأصلي أن الكفيل له أن يدفع مطالبة الدائن له بعدد من الدفوع على النحو الآتي:

  1. الدفع بالرجوع على المدين أولًا، ما لم تكن الكفالة تضامنية[3].
  2. الدفع بتجريد المدين من أمواله، ما لم تكن الكفالة تضامنية[4].

ويُلحظ أن كلًّا من الدفع بالرجوع والدفع بالتجريد ليسا من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، بل يجب أن يتمسك الكفيل بأي منهما حتى تقضي المحكمة بذلك.

  1. الدفع بتجريد الضمان العيني قبل التنفيذ على أموال الكفيل[5].
  2. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن بكل الدفوع والأوجه التي يحتج بها المدين الأصلي، سواء تعلقت بعدم صحة الدين أو بانقضائه[6].
  3. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن ببراءة ذمته، بقدر ما أضاعه الدائن بخطئه من الضمانات[7].
  4. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن ببراءة ذمته، بسبب تأخر الدائن في المطالبة بالدين رغم إعذاره من الكفيل[8].
  5. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن بسقوط حقه في الرجوع عليه في حال افتتاح أي من إجراءات التصفية وفق النصوص النظامية، وعدم تقدمه بمطالبته بالدين وفق ذلك الإجراء بقدر ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بمطالبة المدين به[9].

وتطرح الصورة الأخيرة من صور الدفوع التي يجوز للكفيل التمسك بها قِبل الدائن عددًا من النقاط بشأن نطاقها، وشروط تطبيقها، وكيفية التوفيق بينها وبين نصوص نظام الإفلاس ذات الصلة.

كما أن وفاء الكفيل بجزء من دين المدين ورجوعه بدعوى الحلول على المدين، يقتضي بحث كيفية إعمال هذا الأثر في حال افتتاح إجراء التصفية للمدين وفق نظام الإفلاس[10].

أثر افتتاح إجراء التصفية وفق نظام الإفلاس على دعوى الحلول

تضمنت المادة (599) من نظام المعاملات المدنية أنه إذا وفًّى الكفيل الدين كان له أن يحل محل الدائن فيما له من حقوق قبل المدين، وإذا لم يوفِّ إلا بعض الدين فلا يرجع بما وفَّى إلا بعد أن يستوفي الدائن كل حقه من المدين.

ومؤدى ذلك أن دعوي الكفيل بالحلول محل الدائن إذا وفَّى بجزء من الدين لا تضر بالدائن، بل يتقدم الدائن على الكفيل في استيفاء الباقي من حقه قبل حلول الكفيل محله في الجزء الذي وفَّى به.

وهذا النص يعد تطبيقًا للقاعدة العامة في أنه إذا وفَّى غير المدين الدائن جزءًا من حقه وحل محله فيه، فلا يضار الدائن بهذا الوفاء، ويكون في استيفاء ما بقي له من حق مُقدَّمًا على المُوفِّي، وذلك على نحو ما تضمنته الأحكام العامة المتعلقة بحلول المُوفِّي محل الدائن في استيفاء دينه من المدين[11].

ويراعى أن نظام الإفلاس قد تضمن أنه إذا أوفى ضامن دين المدين أو غيره بجزء من الدين للدائن قبل افتتاح إجراء التصفية أو بعده وجب على الدائن خصم ما حصل عليه من مطالبته التي يقدمها للأمين، كما تضمن أن المُوفِّي، سواء كان ضامنًا للمدين أو من الغير، فإنه يجوز له أن يتقدم بمطالبته للأمين بالمبلغ الذي أداه[12].

ولا تتعارض أحكام المادة (111) من نظام الإفلاس مع أحكام دعوى الحلول المنصوص عليها في نظام المعاملات المدنية، بل هي تؤكدها، إذ سيترتب على الوفاء من جانب الكفيل أو غيره أن يحل محل الدائن في تقديم مطالبته للأمين سواء بكامل الدين محل الوفاء إن كان وفاء كاملًا، أو بالجزء المُوفَّى به من الدَّين إن كان وفاء جزئيًّا.

على أنه في حالة الوفاء الجزئي من قِبل الكفيل، فإن الدائن يجب ألا يضار بذلك، وعليه فإنه يجوز للكفيل المُوفِّي بجزء من الدين أن يتقدم بمطالبته للأمين وفق أحكام دعوى الحلول، على أنه لدى توزيع حصيلة التفليسة، فإن أولويات الديون المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر من نظام الإفلاس يجب أن تراعي أن يتقدم الدائن على الكفيل إن كانا في الطبقة نفسها من طبقات الدائنين المنصوص عليها في المادة (196) من نظام الإفلاس، فلا تجري قسمة الغرماء بينهما بل يكون استيفاء الكفيل دينه وفق دعوى الحلول بعد استيفاء الدائن جميع حقه، ولا يُعد ذلك تعديلًا للمادة (196) من نظام الإفلاس؛ وذلك لأن المادة (76) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس جعلت ترتيب أولوية الديون في كل من الأولويات المنصوص عليها في المادة (196) من النظام وفق ترتيبها في الأنظمة ذات العلاقة، فيُعمل بأحكام المادة (599) من نظام المعاملات المدنية إذا كان الدائن والكفيل الذي أوفى له وفاء جزئيًّا ورجع على المدين بما أوفاه بموجب دعوى الحلول، في مرتبة الأولوية نفسها، ففي هذه الحالة يقدم الدائن على الكفيل في استيفاء حقه، ولا تجري المحاصة بينهما.

أثر تخلف الدائن عن تقديم مطالبته قِبل المدين في دعوى الحلول في إجراءات الإفلاس
في إجراءات التصفية:

تضمن نظام المعاملات المدنية أنه إذا افتُتح أي من إجراءات التصفية للمدين وفق النصوص النظامية، ولم يتقدم الدائن بمطالبته بالدَّين وفق ذلك الإجراء سقط حقه في الرجوع على الكفيل بقدر ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بمطالبة المدين به[13].

ويثير نص هذه المادة الحاجة للوقوف على نطاق تطبيق النص؛ وذلك لأن ظاهر النص أنه يطبق على أي من إجراءات التصفية وفق نظام الإفلاس أو نظام الشركات أو أي نظام آخر قد يتضمن إجراء تصفية للمدين.

ووجه الإشكال أن التصفية وفق نظام الشركات لا تتضمن إجراء دعوة الدائنين لتقديم مطالباتهم وتحقيقها شأن نظام الإفلاس، بل إن المصفي يجرد أصول الشركة والتزاماتها ويسدد ديونها قبل أن يرد على الشركاء أو المساهمين ما يتبقى من قيمة حصصهم أو أسهمهم أو يوزع عليهم فائض حصيلة التصفية.

العديد من القوانين المقارنة التي تتضمن نصًّا مشابهًا تقصر نطاق تطبيقه على إهمال الدائن في التقدم بدينه في تفليسة المدين، وذلك على نحو ما عليه الحال في القانون المصري، والسوري، والليبي، والعراقي، واللبناني، والكويتي، والأردني، والسويسري، وغيرها كثير.

والذي يظهر من سياق النص واستخدام عبارة: “افتتاح أي من إجراءات التصفية”، أن النص يتعلق بإجراءات التصفية وفق نظام الإفلاس، وليس إجراءات التصفية الأخرى.

من جهة أخرى فقد حددت المادة نطاق سقوط حق الدائن في الرجوع على الكفيل في حدود ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بمطالبته للمدين، ويثير هذا النص التساؤل بشأن فرضية أن يتقدم الدائن بمطالبته متأخرًا، بعد تنفيذ توزيع أو أكثر من توزيعات حصيلة التفليسة، فتتأثر حصته من التوزيع نتيجة هذا التأخر في تقديم المطالبة، إذ لن يكون بإمكانه استيفاء حقه في المطالبة بعد تنفيذ قرار التوزيع الأوحد أو النهائي إلا في حال وجود أصول متبقية، أو تملك المدين أصولًا بعد إجراء التوزيع وقبل انتهاء إجراء التصفية[14]، فهل تطبيق الجزاء المنصوص عليه في هذه المادة يكون فقط في فرضية عدم التقدم بالمطالبة وليس التأخر فيها؟

على أن ارتباط حكم هذه المادة بإزالة الضرر الذي يلحق بالكفيل بسبب إهمال الدائن في التقدم بمطالبته في تفليسة المدين يقتضي إعمال هذه المادة، سواء اتصل الأمر بعدم تقديم المطالبة كلية أو التأخر في تقديمها بشكل يلحق ضرر بالكفيل بسبب فوات فرصة الدائن في الحصول على دينه تمامًا أو حصوله منه منقوصًا بقدر ما تبقى من توزيعات التفليسة.

في إجراءات إعادة التنظيم المالي:

لم تعالج المادة (590) من نظام المعاملات المدنية فرضية عدم تقدم الدائن بمطالبته في إجراءات إعادة التنظيم المالي وفق نظام الإفلاس.

ويُلحظ أن آثار عدم تقديم المطالبة في إجراء إعادة التنظيم المالي وفق نظام الإفلاس تتمثل في استبعاد الدائن من التصويت على المقترح وفق ما نصت عليه المادة (64) من نظام الإفلاس، وقد يتضمن المقترح إنقاص حقوق الدائن قِبل المدين دون أن يكون من حق الدائن التصويت على المقترح بسبب عدم تقدمه بمطالبته في تفليسة المدين أو تأخره في تقديمها، ثم يكون المقترح خطة ملزمة للدائن والمدين بعد تصديق المحكمة عليه.

فهل يكون من حق الدائن أن يطالب الكفيل في هذه الحالة بالباقي من الدَّين إذا لم يستوفِ وفق إجراء إعادة التنظيم المالي إلا جزءًا منه بسبب عدم تقدمه بمطالبته في تفليسة المدين وتصويت الدائنين الآخرين عليه بالموفقة ثم تصديق المحكمة عليه؟

بالرغم من خلو نظام المعاملات المدنية ونظام الإفلاس من معالجة تتصل بمد تطبيق الجزاء المنصوص عليه في المادة (590) من نظام المعاملات المدنية في حال تسبب الدائن بخطئه في إنقاص استيفائه لحقه بسبب تقاعسه عن تقديم مطالبته أو التصويت في إجراء إعادة التنظيم المالي أو تصويته بالموافقة على مقترح يتضمن إنقاص هذا الحق، فالأصل ألا يتحمل الكفيل تبعة إهمال الدائن في مطالبة المدين.

ويُعد ذلك الأمر تطبيقًا للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية؛ فخطأ الدائن في مطالبة المدين الأصلي يترتب عليه ضرر يلحق بالكفيل، فينبغي أن يكون جزاؤه هو إنقاص حق الدائن في مطالبة الكفيل بقدر ما أضاعه بتقاعسه، ويُعد ذلك تطبيقًا للقاعدة العامة (السادسة عشرة) من القواعد الكلية المنصوص عليها في المادة (720) من نظام المعاملات المدنية من أن الضرر يُزال.

كما أن الذي يظهر من سياق الأحكام التي وردت في نظام المعاملات المدنية بشأن تسبب الدائن بخطئه في إضاعة أو إضعاف حقوقه قِبل المدين الأصلي أنها ليست من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافها، ويتعين أن يتمسك الكفيل ببراءة ذمته أو يدفع مطالبة الدائن له استنادًا إلى هذه الأحكام.

تتفق العديد من القوانين المقارنة على تبني معالجة مشابهة على نحو ما تضمنه القانون المدني الفرنسي وإن كان قد تبنى قاعدة عامة تبرئ الكفيل بالقدر الذي يتسبب الدائن بخطئه في التأثير على دعوى حلوله قِبل المدين، كما أن القانون الفرنسي يجعل هذا الأمر متعلقًا بالنظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفته[15]، ويتبني القانون الإسباني موقفًا مماثلًا، بل ويمد تطبيقه حتى في حالة الكفالة التضامنية ما دام التأثير على دعوى الحلول بفعل الدائن[16]، ويضع القانون المدني المصري حكمًا عامًّا قوامه أنه إذا أفلس المدين وجب على الدائن أن يتقدم في التفليسة بالدين وإلا سقط حقه في الرجوع على الكفيل بقدر ما أصاب الكفيل من ضرر بسبب إهمال الدائن[17].

والذي يظهر من موقف نظام الإفلاس السعودي ونظام المعاملات المدنية أنه يتبنى موقفًا مقاربًا لما عليه الحال في العديد من القوانين المقارنة من حيث تحميل الدائن تبعة تقصيره في مطالبة المدين بما يؤثر على دعوى حلول الكفيل قِبل المدين، بحيث يسقط حقه في الرجوع على الكفيل بقدر ما كان يمكن أن يستوفيه لو طالب المدين بدينه، وإذا كان نظام المعاملات المدنية قد عالج هذا الأمر في إطار إجراءات التصفية، فإن تطبيقه على إجراءات إعادة التنظيم المالي ما هو إلا تطبيق للقواعد العامة المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية.

 

إذا كانت الضمانات الشخصية تمثل أهمية في تيسير الحصول على الائتمان من خلال توفير التمويل للمنشآت التي يتعذر عليها توفير ضمانات عينية كافية، وكان النظام السعودي قد كفل للدائن عدم مزاحمة الكفيل له في مطالبة المدين من خلال دعوى الحلول، فإن الدائنين ينبغي عليهم ألا يركنوا إلى ملاءة الضامن الشخصي بما يدفعهم للتقصير في مطالبة المدين في إجراءات الإفلاس بما يوثر على حقوق الكفيل بموجب دعوى الحلول.

[1]  مادة (584) من نظام المعاملات المدنية.

[2]  مادة (603) من نظام المعاملات المدنية.

[3]  مادة (591) من نظام المعاملات المدنية.

[4]  مادة (591) من نظام المعاملات المدنية.

[5]  المادة (594) من نظام المعاملات المدنية.

 [6] المادة (603) من نظام المعاملات المدنية.

[7]  المادة 588) من نظام المعاملات المدنية.

[8]   المادة (589) من نظام المعاملات المدنية.

[9]   المادة (590) من نظام المعاملات المدنية.

[10]   المادة (599) من نظام المعاملات المدنية.

[11]  الفقرة الثانية من المادة (263) من نظام المعاملات المدنية.

[12]  المادة (111) من نظام الإفلاس.

[13]  المادة (590) من نظام المعاملات المدنية.

[14]  المادة (117) من نظام الإفلاس.

[15] Article 2314 du Code Civil Français prévoit: “La caution est déchargée, lorsque la subrogation aux droits, hypothèques et privilèges du créancier, ne peut plus, par le fait de ce créancier, s’opérer en faveur de la caution. Toute clause contraire est réputée non écrite”.

[16] Article 1852 Spanish Civil Code provides that: “The guarantors, even if they are joint and several, shall be released from their obligation if, as a result of any act of the creditor, they cannot be subrogated in the rights, mortgages and privileges thereof”.

[17]  المادة (786) من القانون المدني المصري.