مبدأ مراعاة المصلحة الأعلى للدائنين

مبدأ مراعاة المصلحة الأعلى للدائنين

تحميل مبدأ_مراعاة_المصلحة_الأعلى للدائنين
قراءة في التجربة السعودية من منظور مقارن

تَضَمَّن دليل الأونسيترال التشريعي الإشارة إلى أن أحد أهداف إجراءات إعادة التنظيم المالي هو تعظيم العائد النهائي المحتمل للدائنين، من أجل تحقيق حصيلة أفضل مما قد يحدث إذا صُفي المدين، وكذلك الحفاظ على الأعمال التجارية التي لديها إمكانية الاستمرار، كوسيلة للحفاظ على الموارد وحماية الموظفين.

ويشير الدليل إلى أنه لتحقيق ذلك فقد يحتاج الإطار القانوني للإعسار إلى تضمين مبادئ معينة تضمن أن يحصل الدائنون، في إجراءات إعادة التنظيم المالي، على الأقل على نفس المقدار الذي كانوا سيحصلون عليه بفرض تصفية المدين، وبناء على ذلك فقد يتضمن محتوى خطة إعادة التنظيم المالي تحليلًا افتراضيًّا لما كان سيحصل عليه الدائنون في حالة تصفية نشاط المدين.

ويشير الدليل أيضاً إلى أنه من بين الاعتبارات المتعلقة بالموافقة على الخطة أنه يجب التأكد من أن أي فئة معترضة من الدائنين ستحصل على مبلغ لا يقل عما كانت ستحصل عليه في إجراء التصفية[1].

وقد درجت العديد من الأنظمة القانونية المقارنة على ترجمة ما ورد في الدليل التشريعي من خلال اشتراط ألا يحصل الدائنون المعترضون في مقترح إعادة التنظيم المالي على أقل مما كانوا سيحصلون عليه في حال تصفية المدين.

وعلى سبيل المثال فقد تَضَمَّن قانون الإفلاس الأمريكي النص على أن خطة إعادة التنظيم بموجب الفصل الحادي عشر يجب أن تراعي قاعدة مصلحة الدائنين الفضلى، وقد أوضحت المحكمة العليا الأمريكية معيار تطبيق هذا المبدأ، إذ أوجبت أن أي دائن تتضمن الخطة إنقاص حقوقه على أي نحو يجب أن يوافق على الخطة المقترحة أو يحصل على الأقل على نفس المبلغ الذي كان سيحصل عليه في حالة التصفية بموجب الفصل السابع[2].

ومؤدى ما تقدم أن اختبار مصلحة الدائنين الفضلى يعمل كضمانة قانونية تتيح اعتماد خطط إعادة التنظيم المالي بموجب الفصل الحادي عشر على الرغم من اعتراض بعض فئات الدائنين على المقترح، ولكي يُجتاز هذا الاختبار فيجب أن تتضمن الخطة المقترحة الوفاء للدائنين بمبلغ لا يقل عما كانوا سيحصلون عليه في حال تصفية أصول المدين[3].

على أن فاعلية اختبار مصلحة الدائنين الفضلى تعتمد في النموذج الأمريكي بشكل كامل على دقة التحليل الافتراضي لسيناريو التصفية، ولتوضيح ذلك فإن تحليل التصفية الذي يستند إلى تقييم منخفض لأصول المدين من خلال البيع بأسعار التصفية المتدنية: Fire sale، قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة جذريًّا مقارنة بتحليل يفترض أن الأصول ستُباع كجزء من منشأة مستمرة في العمل: going concern[4].

لذلك فإنه بقدر ما يُصمَّم اختبار مصلحة الدائنين الفضلى لضمان تحصيل الدائنين لحقوقهم، مع تسهيل اعتماد خطة إعادة التنظيم المالي والموافقة عليها، بقدر ما يكون فرض الخطة له مصداقية وفاعلية، ولذلك فإن النهج المتبَع في المملكة المتحدة، إذ يتحمل إداري محايد مسؤولية إعداد وتقديم الخطة، قد يوفر درجة أعلى من المصداقية في التحليل الافتراضي للتصفية.

وفي المملكة المتحدة أصبحت المبادئ التي تحكم عمل آلية فرض الخطة عبر الفئات:  cross-class cram down ، ولا سيما في الحالات التي يسعى فيها المدين إلى فرض الخطة على فئة دنيا معترضة بدعم من فئة عليا، مستقرة وواضحة الآن، وتتمحور هذه العملية حول تطبيق: “اختبار عدم التضرر: no worse off test”، والذي يتضمن تحليلًا من ثلاث خطوات:

  1. تحديد النتيجة الأكثر احتمالًا للدائنين المدرجين في الخطة في حال عدم التصديق على خطط إعادة الهيكلة المقترحة.
  2. الوقوف على آثار تلك النتيجة البديلة المحتملة على الدائنين المدرجين في الفئات المعترضة على المقترح، وذلك بشكل أساسي من حيث مبالغ التحصيل المتوقعة لاستردادهم، مع أخذ الآثار الأوسع نطاقًا بعين الاعتبار.
  3. مقارنة تلك الآثار مع الأضرار والنتائج التي ستلحق فئات الدائنين المعترضين على المقترح في حال وُوفِق عليه[5].

أما في سنغافورة، فإن صلاحيات فرض خطة إعادة الهيكلة عبر الفئات قد ورد النص عليها في قانون الإعسار وإعادة الهيكلة والتصفية:  Insolvency, Restructuring and Dissolution Act – IRDA، وهي تتشابه إلى حد بعيد مع ما ورد في الفصل الحادي عشر من قانون الإفلاس الأمريكي، وتُتيح هذه الآلية للمحكمة فرض خطة إعادة الهيكلة على فئات من الدائنين المعترضين، حتى وإن لم يوافقوا على الخطة، شريطة استيفاء ضمانات قانونية معينة ولضمان حماية حقوق الدائنين، ولا يجوز فرض الخطة على الفئات المعترضة من الدائنين إلا إذا تحققت ثلاثة شروط رئيسة، هي:

  1. موافقة أغلبية موصوفة من الدائنين: إذ يجب أن يُوافَق على الخطة أولًا من قِبل فئة واحدة على الأقل من الدائنين، وفقًا للنسب المحددة قانونًا، وهي أغلبية عددية مطلقة (أكثر من: 50%)، وأغلبية فائقة من حيث قيمة الديون (75% على الأقل) من إجمالي المطالبات المدرَجة في تلك الفئة.
  2. العدالة وعدم التمييز غير العادل: فيجب ألا تُميِّز الخطة بشكل غير عادل بين الدائنين الذين يتمتعون بمراكز قانونية أو اقتصادية متشابهة، ويتطلب ذلك، بوجه عام، أن يتلقى الدائنون ضمن نفس الفئة معاملة متساوية وتوزيعات متقاربة، ما لم يكن هناك مبرر موضوعي للاختلاف في المعاملة من زاوية اقتصادية أو قانونية.
  3. المعاملة العادلة والمنصفة: إذ يجب أن تكون الخطة عادلة ومنصفة لجميع الفئات، ويتضمن هذا الشرط ضرورة مراعاة مبدأين أساسيين، هما:
    • اختبار مصلحة الدائنين الفضلى: كما ورد في المادة (70/4/أ) من قانون الإعسار وإعادة الهيكلة والتصفية، والذي يتضمن حظر تلقي أي دائن في فئة معترضة أقل مما يُتوقع أن يحصل عليه في الفرض البديل الأكثر احتمالًا في حال عدم الموافقة على الخطة، وغالبًا ما يكون هذا الفرض البديل هو التصفية أو الإدارة القضائية[6].
    • قاعدة الأولوية المطلقة: Absolute Priority Rule: والتي تقتضي عدم حصول الدائنين أو المساهمين الأدنى مرتبة على أي توزيعات بموجب الخطة ما لم يتم سداد جميع الدائنين الأعلى مرتبة بالكامل، أو أن توافق تلك الفئات العليا على خلاف ذلك.

وإجمالًا فإن هذا النهج يُحقِّق توازنًا دقيقًا بين تشجيع إعادة الهيكلة الفاعلة للشركات وبين حماية حقوق الدائنين.

أما في التجربة السعودية فيمكن القول بشكل عام أن نظام الإفلاس السعودي يحرص على مراعاة مصالح الدائنين واعتبارها، ويتجلى ذلك في مواضع عدة يمكن الإشارة إلى أبرزها فيما يأتي:
  1. بشكل عام تؤكد الفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام أن من بين أهداف نظام الإفلاس مراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل وضمان المعاملة العادلة بينهم.
  2. اشترط النظام للتصديق على أي من مقترحات التسوية الوقائية أو إعادة التنظيم المالي أن يكون المقترح عادلًا، حتى ولو وافقت عليه كل فئات الدائنين. ومن بين المعايير التي تنظر فيها المحكمة للتحقق من عدالة المقترح حصول الدائنين على معلومات وافية لدراسته والبدائل المتاحة للمدين مقارنة بالبنود الواردة في المقترح، ويعني هذا الشرط ضِمنًا أن الإفصاح المالي للمدين بالمقترح يجب أن يبين البدائل التي يمكن للمدين اللجوء لها للخروج من حالة التعثر، إذ يكون البديل الذي يتضمنه المقترح أقل البدائل إضرارًا بالدائنين، فلا ينبغي أن يُضمِّن المدين المقترح تسويات تتجاوز حدود إصلاح الخلل المالي الذي يكفل الخروج من حالة التعثر فيثرى على حساب الدائنين دون وجه حق، وهو ما تراقبه المحكمة بصدد مراعاتها عدالة المقترح[7].
  3. حظَر النظام أن يتضمن المقترح ما يخالف أحكام النظام والأنظمة ذات العلاقة بشأن أولويات الديون، واعتبر أي تصرف خلاف ذلك باطلًا، ومؤدى ذلك أن نظام الإفلاس أوجب اعتبار أولويات الديون وعدم المساس بها، فلا يجوز أن تتضمن التسويات التي يتضمنها المقترح تقدم الدائن العادي على الدائن صاحب الدين الممتاز أو المضمون برهن، في اقتضاء دينه[8].
  4. أجاز النظام للمحكمة التصديق على مقترح إعادة التنظيم المالي إذا قبلته كل فئات الدائنين، أو إذا قبلته فئة واحدة على الأقل من فئات الدائنين وصوت بالموافقة عليه دائنون تمثل قيمة مطالباتهم (٥٠٪) على الأقل من مجموع قيمة مطالبات الدائنين المصوتين في جميع الفئات، إذا رأت المحكمة أن التصديق على المقترح يحقق مصالح أغلبية الدائنين، وهذا يعني أن للمحكمة صلاحيات واسعة في التصديق على مقترح لم يحظَ بموافقة كل فئات الدائنين: cross-class cramdown، لكن النظام قيَّد هذه السلطة التقديرية بوجوب أن تقتنع المحكمة أن المقترح يحقق مصلحة أغلبية الدائنين.

وهذا القيد الذي ورد في الفقرة الفرعية (2/ب) من المادة (80) من نظام الإفلاس يشير بشكل ضمني إلى تقيُّد المحكمة لدى فرض المقترح بمبدأ تحقيق المصلحة الفضلى للدائنين: best interest of creditor، والطريق الأمثل للتحقق من مصلحة الدائنين المثلى هو المقارنة مع فرضية التصفية: Hypothetical liquidation analysis ، ومؤدى ذلك  أنه بالرغم من أن نظام الإفلاس السعودي لم ينص صراحة على ألا يقل ما يحصل عليه الدائن المعارض للمقترح في إجراء إعادة التنظيم المالي عما كان سيحصل عليه في إجراء التصفية، إلا أن اشتراط التحقق من تحقيق المقترح لمصلحة أغلبية الدائنين يفتح المجال لتطبيق قاعدة المصلحة الأمثل للدائن في أحوال فرض المقترح.

وصلاحية فرض المقترح لا تقتصر على الفئات الأدنى من الدائنين من حيث الأولوية، بل يمكن أن تمتد للفئات الأعلى إذا تحققت النسبة المطلوبة بشرط تحقيق مصلحة أغلبية الدائنين، وقد يتحقق هذا من الناحية العملية إذا كان أحد الدائنين دينه مضمونًا برهن أصل لا تكفي قيمته للوفاء بدينه وكان ما يمكن أن يحصل عليه في إجراء إعادة التنظيم المالي أعلى من حصيلة بيع الأصل الضامن، ولذلك فلا يوجد اتجاه واحد لصلاحية فرض الخطة في نظام الإفلاس السعودي، فقد يكون فرض المقترح لأعلى: cram-up، أو متوسطًا بين الدائنين: cram-sandwich.

على أن اشتراط أن يحقق المقترح مصلحة أغلبية الدائنين يُفهم منه أنه يجب أن يحقق أيضًا مصلحة الدائنين المعارضين، ولو كان المقصود بالنص الأغلبية من حيث وزن الديون لكان هذا الشرط لغوًا لا يضيف جديدًا، لأن النظام اشترط لفرض المقترح حصول المقترح على موافقة أغلبية مطالبات الدائنين، ومؤدى ذلك أن إعمال هذا الشرط  يتطلب التحقق من البدائل التي يمكن أن يحصل من خلالها الدائنون على حقوقهم سواء من خلال التصفية أو من خلال طرق التنفيذ العادية للوقوف عليها ومقارنتها بما سيحصلون عليه من خلال التسويات الواردة في المقترح، وتقييم مدى كون ذلك يمثل بديلًا أفضل لهم.

ويتطلب ذلك إفصاحًا ماليًّا متكاملًا وشفافًا من المدين في المقترح، وعرض البدائل للتسويات المقترحة، وتحليل التصفية الافتراضي، وذلك تحت إشراف الأمين ثم المحكمة للتحقق من حصول تصديق متوازن يحفظ حقوق جميع الأطراف.

[1] UNCITRAL Legislative Guide on Insolvency Law, Parts 1 & 2, Paragraphs: 3, 5, 19, 25, 26, 29, 37 and 54.

[2] U. S. Supreme Court, United States v. Reorganized CF&I Fabricators of Utah, June 20, 1996.

[3] Section 1129/7/a/ii – US Bankruptcy Code.

[4] JonathanHicks , Foxes Guarding the Henhouse: The Modern Best Interests of Creditors Test in Chapter 11 Reorganizations, Nevada Law Journal, Spring 2005.

[5] DeepOcean I UK Limited & others [2020] EWHC 3549 (Ch) (convening); [2021] EWHC 138 (Ch) (sanction), Trower J, 15 December 2020 and 28 January 2021

[6] Section 70/4/A- Insolvency, Restructuring and Dissolution Act 2018.

[7] المادتان (35)، و(91) من نظام الإفلاس السعودي.

[8] المادة 81 من نظام الإفلاس السعودي.