الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية
الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية في المملكة العربية السعودية وفي القوانين المقارنة
مقدمة وطبيعة المشكلة
تمثل الإجراءات الوقتية والتحفظية Interim Relief or Conservatory Measures صورة من صور الحماية المؤقتة تتمثل في صورة أوامر أو أحكام تصدر ذات طبيعة مؤقتة لحين الفصل في النزاع بشكل قطعي، لها أهداف مختلفة تشمل المحافظة على الوضع القائم أو إعادته إلى ما كان عليه لحين الفصل في النزاع، أو منع التلاعب بالأدلة، أو المحافظة على الأصول التي يمكن أن تضمن تنفيذ الحكم النهائي.
ويعد تنظيم وطلب الإجراءات الوقتية والتحفظية من الأمور التي استقرت معظم الأنظمة القضائية المعاصرة على تنظيمها ومعالجتها، على أن اللجوء لطلب الإجراءات الوقتية والتحفظية في إجراءات التحكيم صار من الأمور الذائعة الانتشار في التحكيم وتضمنته العديد من القوانين المقارنة، علاوة على انتشاره في قواعد العديد من مؤسسات التحكيم العالمية الرائدة مثل المركز الدولي لتسوية المنازعات بجمعية التحكيم الأمريكية AAA-ICDR، أو محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية ICC، أو مركز سنغافورة للتحكيم التجاري الدولي SIAC، أو محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA، وكذلك في المركز السعودي للتحكيم التجاري الدولي CCA، سواء من خلال تمكين الأطراف من طلب هذه التدابير من هيئة التحكيم فور تشكيلها، أو من خلال طلبها من محكم الطوارئ أو محكم التدابير المستعجلة الذي يمكن أن يُعين ليفصل في هذه الطلبات قبل تشكيل هيئة التحكيم.
وبالرغم من أن طلب التدابير الوقتية والتحفظية صار متاحًا في إجراءات التحكيم المعاصرة سواء كان تحكيمًا حرًّا أو مؤسسيًّا، فإن طلب التدابير الوقتية والتحفظية من المحاكم ما زال له جاذبية خاصة لدى العديد من أطراف خصومة التحكيم، ومن عوامل جاذبيته أنه يمكن طلب التدابير الوقتية في العديد من القوانين المقارنة من خلال أمر على عريضة Ex-Parte دون اكتمال انعقاد الخصومة، كما أنه يمكن أن تكون التدابير الوقتية والتحفظية الصادرة من القضاء نافذة في مواجهة الغير كما هو الحال في الأمر الصادر بتجميد حساب مصرفي لدى أحد المصارف([i]).
وتعالج قوانين التحكيم المقارنة أحوال اتفاق الأطراف على ولاية هيئة التحكيم للنظر في طلب التدابير الوقتية والتحفظية، وأحوال غياب مثل هذا الاتفاق، وكيف يمكن للأطراف الحصول على الحماية الوقتية، والتحفظية، وتعرض هذه الورقة لمسألة الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية في نظام التحكيم السعودي والقوانين المقارنة والخيارات المتاحة في التحكيم الحر والمؤسسي.
هل يشمل اتفاق التحكيم ولاية هيئة التحكيم للنظر في طلبات التدابير الوقتية والتحفظية وإصدارها؟
بالرغم من أنه قد صار مستقرًّا في الممارسة أن التحكيم أصبح هو القضاء الطبيعي للتجارة الدولية، فإن اتفاق التحكيم ما زال شرطًا أساسيًّا لازمًا مطلوبًا كي يكون لهيئة التحكيم ولاية بنظر النزاع، فالتحكيم على خلاف قضاء الدولة ليس متاحًا دائمًا ولا موحدًا، فاتفاق الأطراف هو ما يؤصل الخروج على الولاية العامة لقضاء الدولة وانعقاد الولاية لهيئة التحكيم، ليكون دور الدولة هو الاعتراف بالأثر الكامل لإرادة الأطراف المتمثلة في اتفاق التحكيم وضبط حدودها([ii])، ومؤدى ذلك أن يكون لاتفاق التحكيم أثران؛ أحدهما سلبي ويتمثل في امتناع القضاء عن نظر الدعوى، والآخر إيجابي يتمثل في اختصاص هيئة التحكيم بنظر الدعوى والفصل فيها بحكم حائز لقوة الأمر المقضي، والتساؤل الذي يطرح نفسه: هل يمتد الأثر السلبي والإيجابي لاتفاق التحكيم ليشمل التدابير الوقتية والتحفظية، ليصبح مجرد وجود اتفاق التحكيم يعني سلب اختصاص القضاء باتخاذ هذه التدابير وانعقاد الاختصاص لهيئة التحكيم، أو أن الأمر يتطلب اتفاقًا خاصًّا؟([iii]). تعرض السطور الآتية موقف القانون النموذجي وبعض القوانين المقارنة قبل أن تعرض موقف نظام التحكيم السعودي.
الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية وفق القانون النموذجي للأونسترال
لم يعتبر قانون الأونسترال النموذجي أن لاتفاق التحكيم أثرًا سلبيًّا يمنع الأطراف من طلب الإجراءات الوقتية والتحفظية من المحاكم قبل بدء إجراءات التحكيم، أو أن تصدر المحاكم تدابير وقتية بناء على هذه الطلبات([iv])،
أما بعد بدء إجراءات التحكيم وتشكيل هيئة التحكيم، فقد أجاز القانون النموذجي لهيئة التحكيم إصدار تدابير مؤقتة بناء على طلب أحد الطرفين، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك([v])، وأوجب القانون النموذجي الاعتراف بالتدبير المؤقت الصادر عن هيئة التحكيم كتدبير ملزم ويتعين إنفاذه بصرف النظر عن البلد الذي أصدر فيه([vi])،
لكن القانون النموذجي للأونسترال لم يسلب القضاء صلاحية إصدار تدابير مؤقتة أثناء إجراءات التحكيم فقد أجاز للمحكمة أن تصدر إجراءات مؤقتة لأغراض إجراءات التحكيم، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الإجراءات تجري في إقليم الدولة التي يطلب من محاكمها إصدار التدابير المؤقتة([vii]).
وقد حرصت المذكرة الإيضاحية للقانون النموذجي على التأكيد أن الغرض من هذا الحكم الأخير الذي أضيف في عام 2006 استبعاد أي مجال للشك في أن وجود اتفاق التحكيم لا ينال من صلاحيات المحكمة المختصة لإصدار التدابير المؤقتة، وأن للطرف في الاتفاق التحكيم حرية التقدم للمحكمة بطلب الأمر بالتدابير المؤقتة، كما أن له أن يتقدم بها لهيئة التحكيم.
ومؤدى النصوص المتقدمة أن الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية وفق قانون الأونسترال النموذجي هو اختصاص مشترك بين المحاكم وهيئات التحكيم، وللأطراف حرية الاختيار بين أي منهما ما لم يتضمن اتفاق التحكيم النص على خلاف ذلك، ولا يتطلب الأمر على هذا النحو وجود اتفاق خاص بين الأطراف يعطي هيئة التحكيم صلاحية اتخاذ الإجراءات التحفظية والوقتية، بل للأطراف الاتفاق على استبعاد الهيئة من هذا الاختصاص.
الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية في القوانين المقارنة
يتيح قانون التحكيم الإنجليزي للأطراف الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم صلاحية إصدار تدابير وقتية تحفظية، على أن هذا الاختصاص منوط بأن يتفق الأطراف على منح الهيئة هذه الصلاحية، فإن لم يتفق الأطراف اتفاقًا خاصًّا على ذلك، فلا يكون لهيئة التحكيم هذه الصلاحية([viii]).
وفي المقابل يعطي قانون التحكيم الإنجليزي القضاء صلاحية اتخاذ إجراءات وقتية تحفظية دعمًا لهيئة التحكيم، وذلك في الأحوال التي لا يكون لهيئة التحكيم هذه الصلاحية فحسب، أو أن تكون غير قادرة على مباشرتها([ix]).
وعلى ذلك، فإن قانون التحكيم الإنجليزي لم يعط كلًّا من هيئة التحكيم والمحكمة اختصاصًا مشتركًا بإصدار تدابير وقتية أو تحفظية، بل جعل اختصاص هيئة التحكيم بإصدار هذه التدابير منوطًا باتفاق الأطراف على منح هيئة التحكيم هذا الاختصاص، فإن غاب هذا الاتفاق فإن الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية يكون للقضاء في إطار دوره في دعم إجراءات التحكيم.
أما القانون الفرنسي، فإن وجود اتفاق التحكيم لا يمنع الأطراف من طلب التدابير الوقتية والتحفظية من المحكمة ما دام أن هيئة التحكيم لم تشكل بعد([x])، أما في حال تشكيل هيئة التحكيم فإن الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية يصبح لهيئة التحكيم، عدا بعض أنواع التدابير الوقتية التي يبقى الاختصاص فيها للقضاء مثل أوامر الحجز والضمانات القضائية Sûretés Judiciaires([xi]).
أما قانون التحكيم المصري، فقد أجاز للمحكمة أن تأمر بناء على طلب أحد طرفي التحكيم باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها([xii]).
ومن جهة أخرى يجيز قانون التحكيم المصري لأطراف التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم -بناء على طلب أحدهما- أن تأمر أيًّا منهما باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، أو أن تطلب تقديم ضمان كاف لتغطية نفقات التدبير الذي تأمر به، فإذا تخلف من صدر إليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم -بناء على طلب الطرف الآخر- أن تأذن له باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه، أو أن يطلب من المحكمة الأمر بتنفيذ هذا التدبير([xiii]).
ومؤدى النصوص المتقدمة أن قانون التحكيم المصري عد اختصاص المحكمة باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية اختصاصًا أصيلًا لا ينفك عنها بعد السير في إجراءات التحكيم إلا باتفاق الأطراف على أن يكون لهيئة التحكيم أن تأمر باتخاذ هذه التدابير([xiv]).
الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية في نظام التحكيم السعودي
أعطى نظام التحكيم السعودي المحكمة صلاحية الأمر باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية بناء على طلب أحد أطراف التحكيم قبل البدء في إجراءات التحكيم أو بناء على طلب هيئة التحكيم أثناء سير إجراءات التحكيم، وأجازت الرجوع عن تلك الإجراءات بالطريقة نفسها، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك([xv]).
على أنه من جهة أخرى أجاز نظام التحكيم السعودي لأطراف التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم ـبناء على طلب أحد الأطراف- أن تأمر باتخاذ ما تراه من تدابير وقتية أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، ولهيئة التحكيم أن تلزم الطرف الذي يطلب اتخاذ تلك التدابير تقديم ضمان مالي مناسب لتنفيذ هذا الإجراء، فإذا تخلف من صدر عليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم بناء على طلب الطرف الآخر أن تأذن له باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه بما في ذلك أن يطلب من الجهة المختصة تكليف من صدر عليه الأمر بتنفيذه([xvi]).
ومؤدى ذلك أن نظام التحكيم السعودي أتاح للقضاء في إطار مباشرة دوره الداعم للتحكيم أن يقضي باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية بناء على طلب أي من الأطراف قبل البدء في إجراءات التحكيم، أما بعد البدء في إجراءات التحكيم فإن طلب إصدار التدابير الوقتية يقتصر على هيئة التحكيم التي لها تقييم الطلب ورؤية مدى رجحان قبوله أو قيامه على أسس صحيحة، فإن بدا لها ذلك رفعته للمحكمة وطلبت منها الأمر بالتدبير الوقتي أو التحفظي، وإلا قضت بعدم قبوله.
على أن التحدي الذي قد يواجه الأطراف في هذا الصدد أن تشكيل هيئة التحكيم قد يكون بعد بدء إجراءات التحكيم التي تبدأ وفق نص المادة (26) من نظام التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه أحد طرفي التحكيم طلب التحكيم من الطرف الآخر ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، ولذلك فإنه يحدث في العمل أن تمضي فترة زمنية من بدء إجراءات التحكيم حتى تشكيل الهيئة لا يتاح للأطراف فيها التمتع بالحماية الوقتية أو التحفظية من القضاء أو الهيئة.
وإذا كنا نرى أن الحماية الوقتية تبقى من اختصاص القضاء ما دامت الهيئة لم تشكل، إلا أنه قد يكون من المناسب دراسة الطرف المعني قبل البدء في إجراءات التحكيم مدى حاجته لطلب تدبير وقتي أو تحفظي، فيبادر بطلبه من المحكمة قبل البدء في إجراءات التحكيم.
التدابير الوقتية والتحفظية وفق قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري
تتيح قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري لهيئة التحكيم -بناء على طلب أحد الأطراف- أن تأمر باتخاذ أي تدابير مؤقتة أو تحفظية تراها ضرورية([xvii]).
ومن جهة أخرى وعلى غرار العديد من مؤسسات التحكيم العالمية أجازت قواعد تحكيم المركز للأطراف طلب تعيين محكم للتدابير المستعجلة إذا اقتضت الحاجة أن ينظر في التدبير المستعجل قبل تشكيل هيئة التحكيم([xviii]).
وأفردت لذلك ملحقًا يعالج إجراءات عمل محكم التدابير المستعجلة هو الملحق الثالث للقواعد، وقد بنيت إجراءات عمل المحكم على تبني آجال قصيرة لتعيين المحكم، ونظر الطلب، مع تحديد مهلة زمنية إجمالية لإصدار التدبير المؤقت خلال أربعة عشر يومًا من تاريخ إحالة الملف للمحكم.
ويلحظ أن اتفاق الأطراف على كون التحكيم وفق قواعد إحدى مؤسسات التحكيم يعني -وفق صريح نص المادة الرابعة من نظام التحكيم السعودي- الترخيص لهذه المؤسسة في اختيار الإجراء الواجب الاتباع، وذلك في الحالات التي يجيز فيها النظام لطرفي التحكيم اختيار الإجراء الواجب، ومن ضمن هذه الحالات الاتفاق على صلاحية هيئة التحكيم في إصدار التدابير المؤقتة والتحفظية.
وينظر البعض لما درجت عليه مؤسسات التحكيم من تضمين أحكام خاصة لمحكم التدابير المستعجلة أو الطوارئ ما يعزز توفير الحماية الوقتية في إجراءات التحكيم بشكل فاعل([xix])، ولذلك فقد رفضت المحكمة العليا الإنجليزية أن يكون لها صلاحية إصدار تدابير وقتية وفق قانون التحكيم، إذا كان بوسع الأطراف اللجوء لطلب تعيين محكم التدابير المستعجلة وفق قواعد محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA، باعتبار أن اختصاص القضاء بإصدار هذه التدابير مقيد بأن تكون هيئة التحكيم أو غيرها من الأجهزة المعنية لا تملك الصلاحية في إصدار هذه التدابير، أو غير قادرة على مباشرة هذا الاختصاص، ولذلك فقد رأت المحكمة أن إجراءات محكم التدابير المستعجلة تتيح للأطراف فرصة كافية للحصول على الحماية الوقتية([xx]).
ينبغي على الأطراف قبل البدء في إجراءات التحكيم النظر بعناية في القيود التي على اختصاص القضاء وهيئات التحكيم في إصدار تدابير وقتية أو تحفظية، ومراعاة ذلك في توقيت طلب التدبير الوقتي والتحفظي، ويوفر التحكيم المؤسسي فرصة جيدة لإتاحة طلب الحماية الوقتية والتحفظية سواء من خلال إعمال نصوص محكم التدابير المستعجلة أو محكم الطوارئ، أو من خلال صلاحية هيئة التحكيم في إصدار هذه التدابير.
إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار