تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس في إطار نظام الإفلاس السعودي
تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس في إطار نظام الإفلاس السعودي
المقدمة
مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس أو Vis attractiva concursus هو مبدأ ينص على أن جميع الدعاوى المرتبطة بإجراءات الإفلاس قد يتم وإحالتها إلى محكمة الإفلاس. وبعبارة أخرى، تقبل المحكمة التي افتتح إجراء الإفلاس الاختصاص الحصري للنظر في مطالبات الدائنين وأي نزاعات عرضية تتصل بإجراء الإفلاس المفتتح للمدين.
تكتسب دراسة مدى انطباق هذا المبدأ أهمية عملية كبيرة وتثير عدة تساؤلات، منها كيف يمكن التوفيق بين كفاءة وفعالية إجراءات الإفلاس وحق الأطراف في ضمانات المحاكمة العادلة؟ كيف يتم تطبيق هذا المبدأ في مختلف الدعاوى المرتبطة، لا سيما عند وجود اتفاق تحكيم؟ وأخيرًا، هل ينطبق هذا المبدأ في سياق حالات الإفلاس العابر للحدود؟
سيستعرض هذا المقال كيفية تطبيق هذا المبدأ في كل من أوروبا القارية، والولايات المتحدة، قبل تأمل تطبيقاته في المملكة العربية السعودية.
أوروبا
الكفاءة والإجراءات القانونية الواجبة: هل من الصعب التوفيق بينهما في إجراءات الإفلاس؟
يثير تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس تساؤلات حول مدى انسجامه مع حقوق الأطراف في ضمانات المحاكمة العادلة، فهذا المبدأ ينقل القضية من المحكمة التي تم تحديدها وفقًا للقانون الإجرائي المنطبق إلى محاكم الإفلاس، وقد يشكل هذا الاستثناء مفاجأة بالنسبة للأطراف المعنية، مما قد يؤثر على حقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة، أو يخل بحقهم في اللجوء لقاضيهم الطبيعي.
وقد تناولت محكمة العدل الأوروبية (ECJ) هذه المسألة وخلصت إلى أن تركيز جميع الدعاوى ذات الصلة المباشرة بإعسار منشأة معينة أمام محاكم الدولة العضو التي تملك الاختصاص لفتح إجراءات الإعسار يتماشى مع الهدف المتمثل في تحسين فعالية وكفاءة إجراءات الإعسار، كما رأت محكمة العدل الأوروبية أن ذلك ضروري لضمان حسن سير السوق الداخلية، ولتجنب الحوافز التي قد تدفع الأطراف إلى نقل الأصول أو الإجراءات القضائية من دولة عضو إلى أخرى بحثًا عن مركز قانوني أكثر ملاءمة فيما يطلق عليه التسوق القضائي [1] forum shopping.
نطاق المبدأ والأنواع المختلفة للدعاوى المرتبطة
تنص لائحة الاتحاد الأوروبي الجديدة بشأن إجراءات الإعسار على أن محاكم الدولة العضو التي تم فيها فتح إجراءات الإعسار تكون لها الولاية القضائية على أي دعوى تنشأ مباشرة عن إجراءات الإعسار وترتبط ارتباطًا وثيقًا بها، مثل دعاوى إلغاء التصرفات القانونية[2].
ولكي يتم تحديد ما إذا كانت الدعوى تنشأ مباشرة عن إجراءات الإعسار، تبنت محكمة العدل الأوروبية معيارًا حاسمًا لتحديد المجال الذي تندرج ضمنه الدعوى، وهذا المعيار لا يعتمد على السياق الإجرائي الذي تشكل الدعوى جزءًا منه، بل على الأساس القانوني للدعوى. ووفقًا لهذا النهج، يجب تحديد ما إذا كان الحق أو الالتزام الذي تقوم عليه الدعوى يستند إلى القواعد العادية للقانون المدني والتجاري، أم أنه يستند إلى قواعد استثنائية خاصة بإجراءات الإعسار[3].
وفي قضية أخرى، قيدت محكمة العدل الأوروبية تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، حيث قضت المحكمة بأن دعوى التعويض عن المنافسة غير العادلة، التي يُتهم فيها المتنازل له عن جزء من نشاط تجاري تم شراؤه خلال إجراءات الإعسار بأنه قدَّم نفسه بشكل مضلل على أنه الموزع الحصري للمنتجات التي كان المدين يصنعها، لا تخضع لاختصاص المحكمة التي فتحت إجراءات الإعسار[4].
الولايات المتحدة الأمريكية
يُعد مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس مفهومًا مستمدًا من أنظمة القانون المدني، حيث يؤدي فتح إجراءات الإعسار إلى تركيز جميع الدعاوى والإجراءات القانونية ذات الصلة ضمن اختصاص المحكمة التي تنظر في قضية الإعسار، وهذا يعني أن جميع المسائل المتعلقة بذمة المدين المالية تندرج تحت اختصاص محكمة الإفلاس.
أما في الولايات المتحدة، التي تعمل وفقًا لنظام القانون العام، فإن هذا المبدأ بشكله التقليدي المعمول به في أنظمة القانون المدني لا يُطبق. ومع ذلك، فإن القانون الأميركي للإفلاس يتضمن إلى حد ما مبدأً مشابهًا من حيث المركزية فيما يعد تطبيقا على نحو ما لهذا المبدأ، وفيما يلي الجوانب ذات الصلة بكيفية عمل هذا المبدأ في الولايات المتحدة:
تعليق المطالبات التلقائي
عند تقديم طلب الإفلاس، يدخل التعليق التلقائي حيز التنفيذ فورًا، مما يؤدي إلى إيقاف معظم الإجراءات التي يقوم بها الدائنون ضد المدين أو ممتلكاته، ويهدف هذا التعليق إلى الحفاظ على أصول التفليسة وضمان توزيعها بشكل عادل بين الدائنين من خلال إجراءات الإفلاس، وتُحدد الإجراءات المشمولة بالتعليق بموجب المادة 362 من قانون الإفلاس، ومن الأمثلة الشائعة لهذه الإجراءات الاتصال بالمدين هاتفيًا أو بالبريد أو بأي وسيلة أخرى للمطالبة بالسداد، اتخاذ إجراءات لتحصيل الأموال أو التنفيذ على أصول المدين، أو استعادتها، ورفع أو متابعة الدعاوى القضائية أو إجراءات الحجز، وحجز أو اقتطاع جزء من راتب المدين.
في بعض الحالات، قد يكون التعليق التلقائي محدودًا لمدة 30 يومًا فقط، أو قد لا يكون موجودًا على الإطلاق، ولكن يحق للمدين التقدم بطلب إلى المحكمة لتمديد التعليق أو فرضه.
اختصاص محاكم الإفلاس
تتمتع محاكم الإفلاس الأميركية باختصاص شامل فيما يتعلق بجميع الأمور التي تخص تفليسة المدين، ويشمل ذلك الاختصاص بالنظر في جميع القضايا بموجب قانون الإفلاس. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك محاكم الإفلاس الاختصاص على جميع ممتلكات المدين، أينما كانت موجودة.
وقد نظرت محكمة الإفلاس في إمكانية محاسبة الدائنين الأجانب لانتهاكهم التعليق التلقائي، وذلك عندما قام هؤلاء الدائنون باحتجاز إحدى سفن المدين في محكمة بلجيكية لإجبار المدين على دفع ديون مستحقة قبل تقديم طلب الإفلاس، وعند النظر في هذه القضية، بدأت محكمة الإفلاس الأميركية بتحليل مسألة ما إذا كان بإمكانها ممارسة الاختصاص الشخصي على الدائنين الأجانب، وخلصت المحكمة فيما يتعلق بأحد الدائنين، وهو شركة Andrea Shipping (PTH) Ltd.، إلى أن المحكمة بوضوح لديها الاختصاص الشخصي على هذه الشركة، وذلك لأن الشركة قدمت مطالبة بإثبات الدين، وبالتالي وافقت ضمنيًا على اختصاص محكمة الإفلاس الأميركية[5].
تركيز النزاعات
على غرار مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، يسعى القانون الأميركي للإفلاس إلى تركيز النزاعات المتعلقة بتفليسة المدين من أجل تبسيط العملية وضمان البت في القضايا بشكل متسق، وتساعد هذه المركزية في إدارة أصول المدين بشكل فعال وكفء، ينص التعديل السابع لدستور الولايات المتحدة على أن للأطراف المتقاضية في المحاكم الفيدرالية حق المحاكمة أمام هيئة محلفين في القضايا المدنية، ومع ذلك، يمكن التنازل عن هذا الحق، وفي سياق قضايا الإفلاس، قد يحدث التنازل عن غير قصد نتيجة تقديم مطالبة بإثبات الدين[6].
خلاصة الأمر أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تتبنى صراحةً مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، إلا أن قانون الإفلاس الأميركي يتضمن آليات تحقق أثرًا مشابهًا، وتعمل هذه الآليات على تركيز إدارة المسائل المالية والنزاعات المتعلقة بالمدين ضمن نظام محاكم الإفلاس، ومن بين أبرز هذه الآليات التعليق التلقائي للمطالبات، الذي يوقف معظم الإجراءات التي يقوم بها الدائنون ضد أصول المدين بمجرد تقديم طلب الإفلاس، والاختصاص الشامل لمحاكم الإفلاس، حيث تتمتع هذه المحاكم بالولاية القضائية على جميع الأمور المتعلقة بتفليسة المدين، حيث تضمن هذه المركزية البت الفعال والمتسق في المطالبات والنزاعات، بما يعكس الهدف الأساسي لمبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس في أنظمة القانون المدني.
المملكة العربية السعودية
لا ينص النظام القانوني السعودي للإفلاس صراحةً على مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، ومع ذلك، فإن بعض الإجراءات الواردة في النظام تحقق آثارًا مماثلة لهذا المبدأ. ومن بين هذه الإجراءات تعليق المطالبات الذي يؤدي إلى تعليق جميع الدعاوى وإجراءات التنفيذ ضد المدين أو أصوله، والاختصاص الشامل للمحاكم التجارية التي تنظر في قضايا الإفلاس، حيث تمتلك هذه المحاكم صلاحية البت في مطالبات الدائنين بغض النظر عن مصدرها.
تعليق المطالبات
يتضمن نظام الإفلاس السعودي فترة تعليق خلال كل من إجراءات إعادة التنظيم المالي وإجراءات التصفية، ففي إجراء إعادة التنظيم المالي تمتد فترة التعليق 180 يومًا من تاريخ تقديم الطلب، يمكن للمحكمة وفق سلطتها التقديرية أن تقرر تمديدها لمدة إضافية تصل إلى 180 يومًا، تبدأ فترة التعليق عند تقديم الطلب، ولكن يمكن إنهاؤها مبكرًا إذا وافقت المحكمة على خطة إعادة التنظيم المالي أو قررت إنهاء الإجراءات، أما في إجراءات التصفية، فإن تعليق المطالبات يبدأ عند تقديم طلب التصفية، ويبقى ساريًا حتى إنهاء إجراء التصفية.
خلال فترة التعليق، لا يمكن بدء أي دعوى أو مطالبة أو إجراء تنفيذ ضد المدين، أو أصول التفليسة، أو أي ضامن للمدين. ويعد هذا التعليق ملزمًا لجميع جهات التقاضي المختصة بالنظر في مثل هذه الدعاوى أو الإجراءات، وتشكل فترة التعليق وقفًا قانونيًا ملزمًا للحق في مطالبة المدين أو التفليسة بالديون، كما أن أي دعوى أو إجراء تنفيذ يُتخذ خلال هذه الفترة يُعتبر باطلًا ومنعدم الأثر، علاوة على ذلك، تمتلك المحكمة التجارية سلطة استرداد أي أصول تم التصرف بها بالمخالفة لقيود فترة التعليق.
اختصاص المحاكم التجارية
بموجب نظام الإفلاس السعودي، يتعين على الدائنين الذين تسبق ديونهم افتتاح إجراءات الإفلاس تقديم مطالباتهم إلى أمين الإفلاس، وذلك في كل من إجراءات إعادة التنظيم المالي والتصفية، وبعد استلام وفحص أدلة المطالبات، يقوم الأمين بإعداد قائمة بالمطالبات، والتي يجب تقديمها للمحكمة لاعتمادها
بموجب نظام الإفلاس السعودي، يكون للقضاء التجاري اختصاص شامل بنظر المطالبات التي قد تندرج في الأصل ضمن اختصاص محاكم أو هيئات أخرى. وهذا يعني أن اختصاصه يشمل النظر في المطالبات العمالية التي تندرج بحسب الأصل ضمن اختصاص المحكمة العمالية، أو المطالبات بالنفقة التي تخضع في الأصل لاختصاص محاكم الأحوال الشخصية، والمطالبات المصرفية التي تنظر فيها لجنة الفصل في المنازعات المصرفية، فكل هذه المطالبات يمكن أن تدخل جميعها ضمن اختصاص المحكمة التجارية في سياق تقديم واعتماد قائمة المطالبات في إجراءات الإفلاس.
أثر شرط التحكيم في قضايا الإفلاس
حتى في حالة وجود شرط تحكيم مسبق، فإن تقديم مطالبة إلى المحكمة التجارية في سياق إجراءات الإفلاس يُعتبر بمثابة تنازل من الدائن عن شرط التحكيم المتفق عليه مسبقًا، بما يعطي المحكمة التجارية الاختصاص بالنظر في المطالبة وقبولها أو رفضها.
عواقب عدم تقديم المطالبة إلى المحكمة التجارية
إذا اختار الدائن عدم تقديم مطالبته إلى المحكمة التجارية وانتظر انتهاء فترة التعليق لتقديم المطالبة إلى الجهة القضائية المختصة أصلًا، فقد يترتب على ذلك عدة عواقب:
- في إجراءات إعادة التنظيم المالي يفقد الدائن حقه في التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، وبالتالي لن يكون له أي تأثير على المقترح، حتى لو تضمن المقترح أي تعديل أو إنقاص في دينه، علاوة على أن الدائن سيفقد حقه في الاعتراض على تصديق المحكمة على المقترح.
- في إجراءات التصفية قد يفوّت الدائن فرصته في الحصول على نصيبه من الأصول المصفاة عند توزيعها.
تركيز النزاعات
يتضمن نظام الإفلاس السعودي عدة أمثلة تعكس نهجه المركزي في التعامل مع النزاعات، ومن أبرزها:
- ينص النظام على أن أي طلب لافتتاح إجراءات إفلاس تتعلق بكيان منظم يجب أن يُسبق بموافقة الجهة المختصة المشرفة على أنشطة هذا الكيان، ومن الجدير بالذكر أن النظام يمنح المحكمة التجارية اختصاص النظر في النزاعات الناشئة عن قرارات هذه الجهات المختصة، حتى لو كانت جهات إدارية، والتي عادةً ما تندرج ضمن اختصاص ديوان المظالم كجهة قضاء إداري.
- وفقًا للمادة 6 من النظام، تتمتع المحكمة التجارية بسلطة الإشراف على تنفيذ قراراتها وأحكامها، وكذلك البت في أي نزاعات قد تنشأ عن إجراءات التنفيذ.
- الولاية القضائية الجزائية في قضايا الإفلاس، حيث تمنح المادة 208 من النظام المحكمة التجارية الاختصاص الجزائي للنظر في القضايا ذات الصلة بالإفلاس، بالإضافة إلى فرض العقوبات عند الاقتضاء.
- نظر دعاوى المدين ضد الأطراف الأخرى، حيث إنه وفقًا للمادة 3 من القواعد المنظمة لإجراءات قضايا الإفلاس في المحاكم التجارية، تتمتع المحكمة التجارية بصلاحية الفصل في دعاوى المدين ضد الأطراف الأخرى الناتجة عن إجراءات الإفلاس.
الخاتمة
تعد القوة الجاذبة لاختصاص محاكم الإفلاس عنصرًا محوريًا في تحقيق تسوية ناجحة لحالات الإعسار، فمن خلال النهج المركزي في إدارة المطالبات المرتبطة بالإفلاس، يمكن تحقيق إدارة فعالة للعدالة، ومنع حالات التلاعب وإساءة استخدام الاختصاص أو ما يطلق عليه التسوق القضائي forum shopping، وحماية الإجراءات من أي إساءة استخدام، تزويد إجراءات الإفلاس بالأدوات اللازمة لإعادة التنظيم المالي أو التصفية بشكل فعّال.
إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار
[1] ECJ judgement of 12 February 2009, Christopher Seagon v Deko Marty Belgium NV., Case C-339/07, European Court Reports 2009 1-00767.
[2] Article (6), Paragraph (1) of the European Union Regulations on Insolvency Proceedings of 20 May 2015.
[3][3] ECJ judgment of 4 September 2014, Nickel & Goeldner Spedition v Kintra UAB, Case C-157/13.
[4] ECJ judgement of 9 November 2017, Tünkers France, Tünkers Maschinenbau GmbH, Case C-641/16.
[5] United States Bankruptcy Court, M.D. Florida, Bankruptcy No. 95-10453-8P1. Adv. No. 97-365, March 12, 1997.
[6] Richard E. Lear, proof of claim: To File, or Not to File…, Holland & Knight Newsletter, February 2009.