دعوى حلول الكفيل في إجراءات الإفلاس في النظام السعودي

مقدمة وخلفية المشكلة

الكفالة هي إحدى صور التأمينات الشخصية للدَّين، والتي تتحقق بضم ذمة إضافية إلى ذمة المدين لضمان حق الدائن، وقد تأخذ التأمينات الشخصية صورة ضم ذمة إلى ذمة المدين على قدم المساواة. ومن صورها تضامن المدينين، وعدم تجزئة الدَّين، والدعوى المباشرة. وقد تأخذ صورة ضم ذمة تابعة إلى ذمة متبوعة وذلك شأن الكفالة، وقد يكون الرجوع على الذمة التابعة بالترتيب، أي بالرجوع على المدين الأصلي ثم الكفيل، وهو ما يتحقق في الكفالة العادية، وقد يكون في وقت واحد فيرجع الدائن على المدين الأصلي أو على الكفيل أيهما شاء ويتحقق ذلك في الكفالة التضامنية.

إن طبيعة التزام الكفيل في أحكام عقد الكفالة الواردة في نظام المعاملات المدنية هو أنه التزام تابع لالتزام المدين الأصلي، فالتزام المدين الأصلي هو الذي يحدد التزام الكفيل، وقد رتب النظام على ذلك عدة آثار:

  1. لا يجوز أن يكون التزام الكفيل زائدًا عن التزام المدين الأصلي أو أشد عبئًا، كأن يكون التزام الكفيل منجزًا وحالًّا في حين أن التزام المدين الأصلي معلق على شرط أو مؤجل، ولكن يجوز أن تكون الكفالة في مبلغ أقل، كأن يكفل الكفيل جزءًا من الدين أو أن تكون بشروط أخف، فإذا كانت الكفالة في مبلغ أكبر من مبلغ الدين، أو بشروط أشد، لا تنعقد ولا تصح إلا في حدود هذا الدَّين ووفق شروطه[1].
  2. لا يجوز أن يبقى التزام الكفيل قائمًا بعد انقضاء التزام المدين الأصلي[2].

كما أن من الآثار التي تترتب على كون التزام الكفيل تابعًا لالتزام المدين الأصلي أن الكفيل له أن يدفع مطالبة الدائن له بعدد من الدفوع على النحو الآتي:

  1. الدفع بالرجوع على المدين أولًا، ما لم تكن الكفالة تضامنية[3].
  2. الدفع بتجريد المدين من أمواله، ما لم تكن الكفالة تضامنية[4].

ويُلحظ أن كلًّا من الدفع بالرجوع والدفع بالتجريد ليسا من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، بل يجب أن يتمسك الكفيل بأي منهما حتى تقضي المحكمة بذلك.

  1. الدفع بتجريد الضمان العيني قبل التنفيذ على أموال الكفيل[5].
  2. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن بكل الدفوع والأوجه التي يحتج بها المدين الأصلي، سواء تعلقت بعدم صحة الدين أو بانقضائه[6].
  3. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن ببراءة ذمته، بقدر ما أضاعه الدائن بخطئه من الضمانات[7].
  4. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن ببراءة ذمته، بسبب تأخر الدائن في المطالبة بالدين رغم إعذاره من الكفيل[8].
  5. للكفيل أن يدفع مطالبة الدائن بسقوط حقه في الرجوع عليه في حال افتتاح أي من إجراءات التصفية وفق النصوص النظامية، وعدم تقدمه بمطالبته بالدين وفق ذلك الإجراء بقدر ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بمطالبة المدين به[9].

وتطرح الصورة الأخيرة من صور الدفوع التي يجوز للكفيل التمسك بها قِبل الدائن عددًا من النقاط بشأن نطاقها، وشروط تطبيقها، وكيفية التوفيق بينها وبين نصوص نظام الإفلاس ذات الصلة.

كما أن وفاء الكفيل بجزء من دين المدين ورجوعه بدعوى الحلول على المدين، يقتضي بحث كيفية إعمال هذا الأثر في حال افتتاح إجراء التصفية للمدين وفق نظام الإفلاس[10].

أثر افتتاح إجراء التصفية وفق نظام الإفلاس على دعوى الحلول

تضمنت المادة (599) من نظام المعاملات المدنية أنه إذا وفًّى الكفيل الدين كان له أن يحل محل الدائن فيما له من حقوق قبل المدين، وإذا لم يوفِّ إلا بعض الدين فلا يرجع بما وفَّى إلا بعد أن يستوفي الدائن كل حقه من المدين.

ومؤدى ذلك أن دعوي الكفيل بالحلول محل الدائن إذا وفَّى بجزء من الدين لا تضر بالدائن، بل يتقدم الدائن على الكفيل في استيفاء الباقي من حقه قبل حلول الكفيل محله في الجزء الذي وفَّى به.

وهذا النص يعد تطبيقًا للقاعدة العامة في أنه إذا وفَّى غير المدين الدائن جزءًا من حقه وحل محله فيه، فلا يضار الدائن بهذا الوفاء، ويكون في استيفاء ما بقي له من حق مُقدَّمًا على المُوفِّي، وذلك على نحو ما تضمنته الأحكام العامة المتعلقة بحلول المُوفِّي محل الدائن في استيفاء دينه من المدين[11].

ويراعى أن نظام الإفلاس قد تضمن أنه إذا أوفى ضامن دين المدين أو غيره بجزء من الدين للدائن قبل افتتاح إجراء التصفية أو بعده وجب على الدائن خصم ما حصل عليه من مطالبته التي يقدمها للأمين، كما تضمن أن المُوفِّي، سواء كان ضامنًا للمدين أو من الغير، فإنه يجوز له أن يتقدم بمطالبته للأمين بالمبلغ الذي أداه[12].

ولا تتعارض أحكام المادة (111) من نظام الإفلاس مع أحكام دعوى الحلول المنصوص عليها في نظام المعاملات المدنية، بل هي تؤكدها، إذ سيترتب على الوفاء من جانب الكفيل أو غيره أن يحل محل الدائن في تقديم مطالبته للأمين سواء بكامل الدين محل الوفاء إن كان وفاء كاملًا، أو بالجزء المُوفَّى به من الدَّين إن كان وفاء جزئيًّا.

على أنه في حالة الوفاء الجزئي من قِبل الكفيل، فإن الدائن يجب ألا يضار بذلك، وعليه فإنه يجوز للكفيل المُوفِّي بجزء من الدين أن يتقدم بمطالبته للأمين وفق أحكام دعوى الحلول، على أنه لدى توزيع حصيلة التفليسة، فإن أولويات الديون المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر من نظام الإفلاس يجب أن تراعي أن يتقدم الدائن على الكفيل إن كانا في الطبقة نفسها من طبقات الدائنين المنصوص عليها في المادة (196) من نظام الإفلاس، فلا تجري قسمة الغرماء بينهما بل يكون استيفاء الكفيل دينه وفق دعوى الحلول بعد استيفاء الدائن جميع حقه، ولا يُعد ذلك تعديلًا للمادة (196) من نظام الإفلاس؛ وذلك لأن المادة (76) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس جعلت ترتيب أولوية الديون في كل من الأولويات المنصوص عليها في المادة (196) من النظام وفق ترتيبها في الأنظمة ذات العلاقة، فيُعمل بأحكام المادة (599) من نظام المعاملات المدنية إذا كان الدائن والكفيل الذي أوفى له وفاء جزئيًّا ورجع على المدين بما أوفاه بموجب دعوى الحلول، في مرتبة الأولوية نفسها، ففي هذه الحالة يقدم الدائن على الكفيل في استيفاء حقه، ولا تجري المحاصة بينهما.

أثر تخلف الدائن عن تقديم مطالبته قِبل المدين في دعوى الحلول في إجراءات الإفلاس
في إجراءات التصفية:

تضمن نظام المعاملات المدنية أنه إذا افتُتح أي من إجراءات التصفية للمدين وفق النصوص النظامية، ولم يتقدم الدائن بمطالبته بالدَّين وفق ذلك الإجراء سقط حقه في الرجوع على الكفيل بقدر ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بمطالبة المدين به[13].

ويثير نص هذه المادة الحاجة للوقوف على نطاق تطبيق النص؛ وذلك لأن ظاهر النص أنه يطبق على أي من إجراءات التصفية وفق نظام الإفلاس أو نظام الشركات أو أي نظام آخر قد يتضمن إجراء تصفية للمدين.

ووجه الإشكال أن التصفية وفق نظام الشركات لا تتضمن إجراء دعوة الدائنين لتقديم مطالباتهم وتحقيقها شأن نظام الإفلاس، بل إن المصفي يجرد أصول الشركة والتزاماتها ويسدد ديونها قبل أن يرد على الشركاء أو المساهمين ما يتبقى من قيمة حصصهم أو أسهمهم أو يوزع عليهم فائض حصيلة التصفية.

العديد من القوانين المقارنة التي تتضمن نصًّا مشابهًا تقصر نطاق تطبيقه على إهمال الدائن في التقدم بدينه في تفليسة المدين، وذلك على نحو ما عليه الحال في القانون المصري، والسوري، والليبي، والعراقي، واللبناني، والكويتي، والأردني، والسويسري، وغيرها كثير.

والذي يظهر من سياق النص واستخدام عبارة: “افتتاح أي من إجراءات التصفية”، أن النص يتعلق بإجراءات التصفية وفق نظام الإفلاس، وليس إجراءات التصفية الأخرى.

من جهة أخرى فقد حددت المادة نطاق سقوط حق الدائن في الرجوع على الكفيل في حدود ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بمطالبته للمدين، ويثير هذا النص التساؤل بشأن فرضية أن يتقدم الدائن بمطالبته متأخرًا، بعد تنفيذ توزيع أو أكثر من توزيعات حصيلة التفليسة، فتتأثر حصته من التوزيع نتيجة هذا التأخر في تقديم المطالبة، إذ لن يكون بإمكانه استيفاء حقه في المطالبة بعد تنفيذ قرار التوزيع الأوحد أو النهائي إلا في حال وجود أصول متبقية، أو تملك المدين أصولًا بعد إجراء التوزيع وقبل انتهاء إجراء التصفية[14]، فهل تطبيق الجزاء المنصوص عليه في هذه المادة يكون فقط في فرضية عدم التقدم بالمطالبة وليس التأخر فيها؟

على أن ارتباط حكم هذه المادة بإزالة الضرر الذي يلحق بالكفيل بسبب إهمال الدائن في التقدم بمطالبته في تفليسة المدين يقتضي إعمال هذه المادة، سواء اتصل الأمر بعدم تقديم المطالبة كلية أو التأخر في تقديمها بشكل يلحق ضرر بالكفيل بسبب فوات فرصة الدائن في الحصول على دينه تمامًا أو حصوله منه منقوصًا بقدر ما تبقى من توزيعات التفليسة.

في إجراءات إعادة التنظيم المالي:

لم تعالج المادة (590) من نظام المعاملات المدنية فرضية عدم تقدم الدائن بمطالبته في إجراءات إعادة التنظيم المالي وفق نظام الإفلاس.

ويُلحظ أن آثار عدم تقديم المطالبة في إجراء إعادة التنظيم المالي وفق نظام الإفلاس تتمثل في استبعاد الدائن من التصويت على المقترح وفق ما نصت عليه المادة (64) من نظام الإفلاس، وقد يتضمن المقترح إنقاص حقوق الدائن قِبل المدين دون أن يكون من حق الدائن التصويت على المقترح بسبب عدم تقدمه بمطالبته في تفليسة المدين أو تأخره في تقديمها، ثم يكون المقترح خطة ملزمة للدائن والمدين بعد تصديق المحكمة عليه.

فهل يكون من حق الدائن أن يطالب الكفيل في هذه الحالة بالباقي من الدَّين إذا لم يستوفِ وفق إجراء إعادة التنظيم المالي إلا جزءًا منه بسبب عدم تقدمه بمطالبته في تفليسة المدين وتصويت الدائنين الآخرين عليه بالموفقة ثم تصديق المحكمة عليه؟

بالرغم من خلو نظام المعاملات المدنية ونظام الإفلاس من معالجة تتصل بمد تطبيق الجزاء المنصوص عليه في المادة (590) من نظام المعاملات المدنية في حال تسبب الدائن بخطئه في إنقاص استيفائه لحقه بسبب تقاعسه عن تقديم مطالبته أو التصويت في إجراء إعادة التنظيم المالي أو تصويته بالموافقة على مقترح يتضمن إنقاص هذا الحق، فالأصل ألا يتحمل الكفيل تبعة إهمال الدائن في مطالبة المدين.

ويُعد ذلك الأمر تطبيقًا للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية؛ فخطأ الدائن في مطالبة المدين الأصلي يترتب عليه ضرر يلحق بالكفيل، فينبغي أن يكون جزاؤه هو إنقاص حق الدائن في مطالبة الكفيل بقدر ما أضاعه بتقاعسه، ويُعد ذلك تطبيقًا للقاعدة العامة (السادسة عشرة) من القواعد الكلية المنصوص عليها في المادة (720) من نظام المعاملات المدنية من أن الضرر يُزال.

كما أن الذي يظهر من سياق الأحكام التي وردت في نظام المعاملات المدنية بشأن تسبب الدائن بخطئه في إضاعة أو إضعاف حقوقه قِبل المدين الأصلي أنها ليست من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافها، ويتعين أن يتمسك الكفيل ببراءة ذمته أو يدفع مطالبة الدائن له استنادًا إلى هذه الأحكام.

تتفق العديد من القوانين المقارنة على تبني معالجة مشابهة على نحو ما تضمنه القانون المدني الفرنسي وإن كان قد تبنى قاعدة عامة تبرئ الكفيل بالقدر الذي يتسبب الدائن بخطئه في التأثير على دعوى حلوله قِبل المدين، كما أن القانون الفرنسي يجعل هذا الأمر متعلقًا بالنظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفته[15]، ويتبني القانون الإسباني موقفًا مماثلًا، بل ويمد تطبيقه حتى في حالة الكفالة التضامنية ما دام التأثير على دعوى الحلول بفعل الدائن[16]، ويضع القانون المدني المصري حكمًا عامًّا قوامه أنه إذا أفلس المدين وجب على الدائن أن يتقدم في التفليسة بالدين وإلا سقط حقه في الرجوع على الكفيل بقدر ما أصاب الكفيل من ضرر بسبب إهمال الدائن[17].

والذي يظهر من موقف نظام الإفلاس السعودي ونظام المعاملات المدنية أنه يتبنى موقفًا مقاربًا لما عليه الحال في العديد من القوانين المقارنة من حيث تحميل الدائن تبعة تقصيره في مطالبة المدين بما يؤثر على دعوى حلول الكفيل قِبل المدين، بحيث يسقط حقه في الرجوع على الكفيل بقدر ما كان يمكن أن يستوفيه لو طالب المدين بدينه، وإذا كان نظام المعاملات المدنية قد عالج هذا الأمر في إطار إجراءات التصفية، فإن تطبيقه على إجراءات إعادة التنظيم المالي ما هو إلا تطبيق للقواعد العامة المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية.

 

إذا كانت الضمانات الشخصية تمثل أهمية في تيسير الحصول على الائتمان من خلال توفير التمويل للمنشآت التي يتعذر عليها توفير ضمانات عينية كافية، وكان النظام السعودي قد كفل للدائن عدم مزاحمة الكفيل له في مطالبة المدين من خلال دعوى الحلول، فإن الدائنين ينبغي عليهم ألا يركنوا إلى ملاءة الضامن الشخصي بما يدفعهم للتقصير في مطالبة المدين في إجراءات الإفلاس بما يوثر على حقوق الكفيل بموجب دعوى الحلول.

[1]  مادة (584) من نظام المعاملات المدنية.

[2]  مادة (603) من نظام المعاملات المدنية.

[3]  مادة (591) من نظام المعاملات المدنية.

[4]  مادة (591) من نظام المعاملات المدنية.

[5]  المادة (594) من نظام المعاملات المدنية.

 [6] المادة (603) من نظام المعاملات المدنية.

[7]  المادة 588) من نظام المعاملات المدنية.

[8]   المادة (589) من نظام المعاملات المدنية.

[9]   المادة (590) من نظام المعاملات المدنية.

[10]   المادة (599) من نظام المعاملات المدنية.

[11]  الفقرة الثانية من المادة (263) من نظام المعاملات المدنية.

[12]  المادة (111) من نظام الإفلاس.

[13]  المادة (590) من نظام المعاملات المدنية.

[14]  المادة (117) من نظام الإفلاس.

[15] Article 2314 du Code Civil Français prévoit: “La caution est déchargée, lorsque la subrogation aux droits, hypothèques et privilèges du créancier, ne peut plus, par le fait de ce créancier, s’opérer en faveur de la caution. Toute clause contraire est réputée non écrite”.

[16] Article 1852 Spanish Civil Code provides that: “The guarantors, even if they are joint and several, shall be released from their obligation if, as a result of any act of the creditor, they cannot be subrogated in the rights, mortgages and privileges thereof”.

[17]  المادة (786) من القانون المدني المصري.

موانع تطبيق رسوم الأراضي البيضاء

مقدمة

يهدف نظام رسوم الأراضي البيضاء إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق العقارية، والحد من احتكار الأراضي غير المطورة داخل النطاقات العمرانية، من خلال فرض رسوم سنوية على الأراضي التي تتوفر فيها شروط معينة. غير أن تطبيق هذا النظام لا يقوم على مجرد وجود أرض فضاء داخل النطاق العمراني، وإنما يخضع لجملة من الشروط الموضوعية، والمراحل التنظيمية، والموانع النظامية التي قد تحول دون فرض الرسم.

ومن أبرز الإشكالات العملية التي أفرزها التطبيق القضائي مسألة أثر التصفية والقيود القانونية في إخضاع الأرض لرسوم الأراضي البيضاء، وما إذا كانت هذه القيود تُعد موانع معتبرة تمنع من تطبيق الرسم، أو أنها لا تؤثر في مشروعيته إلا إذا ثبتت رسميًا وبصورة قاطعة.

تعريف الأرض البيضاء ونطاق تطبيق الرسم

عرّف نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة في المادة (1) الأرض البيضاء بأنها: “كل أرض فضاء قابلة للتطوير والتنمية، داخل حدود النطاق العمراني”، ويُستفاد من هذا التعريف أن وصف الأرض البيضاء لا يتحقق إلا بتوفر عنصرين مجتمعين: أحدهما: قابلية التطوير، والآخر: وقوع الأرض داخل النطاق العمراني، الأمر الذي يجعل إخضاعها للرسم مرهونًا باكتمال هذه الشروط دون وجود مانع نظامي.

التطبيق المرحلي لرسوم الأراضي البيضاء

نظمت اللائحة التنفيذية لنظام رسوم الأراضي البيضاء في المادة (6)  التطبيق المرحلي للرسم، وربطته بطبيعة الأرض ومساحتها ونطاقها المكاني، مع إجازة الانتقال بين المراحل بقرار من الوزير وفق الفقرة(2)  من المادة ذاتها، دون الإخلال بالمراحل السابقة.

شروط إخضاع الأرض لتطبيق الرسم

حددت المادة (8) من اللائحة التنفيذية الشروط اللازمة لإخضاع الأرض للرسم، وهي شروط متلازمة لا يتحقق فرض إلا باجتماعها، مما يفتح المجال النظامي لاستبعاد الأرض من التطبيق متى انتفى أحدها.

الموانع النظامية لتطبيق الرسم

نصت الفقرات (ب، ج، د) من المادة (9)  من اللائحة التنفيذية على أنه: “لا يطبق الرسم على الأرض الخاضعة للتطبيق في أيّ من الحالات الآتية”:

  • وجود مانع يحول دون تصرف مالك الأرض فيها، بشرط ألا يكون المكلف متسببًا أو مشاركًا في قيام المانع.
  • وجود عائق يحول دون صدور التراخيص والموافقات اللازمة لتطوير الأرض أو بنائها، بشرط ألا يكون المكلف متسببًا أو مشاركًا في قيام العائق.
  • إنجاز تطوير الأرض أو بنائها خلال سنة من تاريخ صدور القرار.
التصفية بوصفها مانعًا قانونيًا

تُعد التصفية من أبرز الصور العملية للموانع القانونية، إذ يترتب عليها تقييد سلطة المالك في التصرف بالأرض أو تطويرها، سواء بسبب نزاع قائم، أو لإجراءات بيع قهري، أو لعدم استقرار الملكية، وهو ما يندرج نظامًا ضمن مفهوم المانع والعائق الوارد في المادة (9)  من اللائحة التنفيذية.

الاتجاه القضائي المؤيد لاعتبار التصفية مانعًا
حكم المحكمة الإدارية بالرياض 1444هـ

صدر حكم المحكمة الإدارية بالرياض في الدعوى رقم (16794) لعام 1444هـ، بتاريخ 11/03/1445هـ، وقضى بإلغاء فرض رسم الأراضي البيضاء، تأسيسًا على أن:

  • ملكية الأرض لم تكن مستقرة في ذمة المكلف.
  • وجود حكم قضائي بتصفية الأرض وبيعها بالمزاد العلني.
  • عدم ثبوت مشاركة المكلف أو تسببه في قيام هذا المانع.

وجاء في تسبيب الحكم ما يفيد أن هذه الأوصاف تُعد مانعًا قانونيًا يحول دون تصرف المالك بالأرض، ويجعل فرض الرسم مخالفًا لأحكام نظام رسوم الأراضي البيضاء ولائحته التنفيذية.

ويُستفاد من هذا الحكم اتجاه قضائي يعتد بالتصفية مانعًا مسقطًا للرسم، متى ثبتت التصفية رسميًا وانتفى تسبّب المالك فيها.

الاتجاه القضائي المقابل واشتراط الإثبات القاطع
حكم محكمة الاستئناف الإدارية بالرياض – 1445هـ

في المقابل، صدر حكم محكمة الاستئناف الإدارية بالرياض في الدعوى رقم (3271) لعام 1445هـ، بتاريخ 12/06/1445هـ، وانتهى إلى:

  • إلغاء الحكم الابتدائي القاضي بإلغاء الرسم.
  • القضاء برفض الدعوى، وتأييد مشروعية فرض الرسم.

وأوضحت المحكمة أن:

  • مجرد الادعاء بخضوع الأرض للتصفية أو إدراجها ضمن محفظة لا يكفي.
  • لم يُقدَّم ما يثبت خضوع الأرض فعليًا للتصفية من مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ).
  • لم يرد قيد أو إشارة نظامية على صك الأرض تمنع من التصرف.

ويُفهم من هذا الحكم اتجاه قضائي يُشدد في الإثبات، ولا يعتد بالتصفية مانعًا إلا إذا ثبتت بمستند رسمي صادر عن الجهة المختصة أو بقيد ظاهر على الصك.

حق الاعتراض وأساليب الوقاية من فرض الرسوم لحماية المال

نصت المادة (8) من نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة على حق المالك -أو من في حكمه- في الاعتراض على القرارات الصادرة بإخضاع الأرض لتطبيق الرسم، أو على تقدير قيمة الأرض أو مقدار الرسم المستحق عليها، خلال المدة النظامية المحددة، وهو حق كفله المنظم تحقيقًا للتوازن بين سلطة الإدارة في فرض الرسوم، وحق المكلف في حماية ماله من أي عبء مالي قد يُفرض بالمخالفة لأحكام النظام.

ويُعد هذا الحق أحد أهم أدوات الوقاية النظامية، إذ يمكّن المالك من عرض ما لديه من دفوع ومستندات تُثبت عدم توفر شروط تطبيق الرسم، أو قيام مانع نظامي يحول دون التصرف في الأرض أو تطويرها، كخضوعها لإجراءات تصفية أو وجود قيد قانوني مؤثر.

كما أن مباشرة الاعتراض في وقته النظامي تسهم في وقف استقرار القرار الإداري محل الاعتراض، وتفتح المجال لإعادة تقييم مدى مشروعيته في ضوء النصوص النظامية واللائحة التنفيذية.

ويبرز دور هذا الحق بصورة أوضح في الحالات التي تكون فيها الأرض محل قيود قانونية غير ناتجة عن إرادة المالك، إذ يترتب على الإخلال بمباشرة الاعتراض تحميل المال رسمًا كان من الممكن درؤه لو عُرض المانع على الجهة المختصة في حينه.

ومن ثم، فإن تفعيل حق الاعتراض يُعد مسلكًا نظاميًا وقائيًا لحماية المال، ويقع ضمن مسؤولية المالك أو من يمثله نظامًا، متى توفرت مسوغات جدية لعدم تطبيق الرسم.

الخلاصة

يتضح مما سبق أن تطبيق رسوم الأراضي البيضاء لا يقوم على معيار شكلي مجرد، وإنما يخضع لمنظومة متكاملة من الشروط الموضوعية، والتدرج المرحلي، والموانع النظامية التي يتعين التحقق من توفرها بدقة قبل فرض الرسم. ويبرز من بين هذه الموانع أثر التصفية والقيود القانونية التي تحول دون تمكين المالك من التصرف في الأرض أو تطويرها، متى ثبت قيامها على نحو نظامي، وانتفى تسبّب المكلف أو مشاركته في وجودها.

كما يظهر من استعراض النصوص النظامية والأحكام القضائية أن الخلاف لا ينصب على أصل الاعتداد بالتصفية مانعًا من تطبيق الرسم، وإنما يرتكز على معيار الإثبات ومدى كفايته لإقناع الجهة الإدارية أو القضائية بقيام هذا المانع فعليًا. فالتصفية، متى كانت ثابتة بمستند رسمي أو قيد نظامي صادر عن الجهة المختصة، تُعد مانعًا معتبرًا يفتقد معه الرسم مبرره النظامي.

وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالادعاء أو القرائن غير المكتملة لا يكفي لاستبعاد الأرض من نطاق التطبيق، الأمر الذي يجمع بين الاتجاهات القضائية، ويؤكد أهمية التوثيق النظامي المبكر للقيود المؤثرة على سلطة التصرف.

وعليه، فإن حسن التعامل مع رسوم الأراضي البيضاء لا يقتصر على مرحلة الاعتراض اللاحقة لفرض الرسم، بل يبدأ من وعي المالك -أو من يمثله- بطبيعة القيود القانونية التي ترد على الأرض، وضرورة إثباتها رسميًا لدى الجهات المختصة، بما يحقق الوقاية من فرض الرسم ابتداءً.

ويُسهم هذا الفهم في تعزيز استقرار التطبيق النظامي، وتحقيق التوازن بين المصلحة في تنظيم السوق العقارية، وحق الأفراد في حماية أموالهم من أعباء مالية لا تتوفر مسوّغاتها النظامية، وهو ما ينسجم مع الغاية التي شُرع من أجلها نظام رسوم الأراضي البيضاء.

مبدأ مراعاة المصلحة الأعلى للدائنين

قراءة في التجربة السعودية من منظور مقارن

تَضَمَّن دليل الأونسيترال التشريعي الإشارة إلى أن أحد أهداف إجراءات إعادة التنظيم المالي هو تعظيم العائد النهائي المحتمل للدائنين، من أجل تحقيق حصيلة أفضل مما قد يحدث إذا صُفي المدين، وكذلك الحفاظ على الأعمال التجارية التي لديها إمكانية الاستمرار، كوسيلة للحفاظ على الموارد وحماية الموظفين.

ويشير الدليل إلى أنه لتحقيق ذلك فقد يحتاج الإطار القانوني للإعسار إلى تضمين مبادئ معينة تضمن أن يحصل الدائنون، في إجراءات إعادة التنظيم المالي، على الأقل على نفس المقدار الذي كانوا سيحصلون عليه بفرض تصفية المدين، وبناء على ذلك فقد يتضمن محتوى خطة إعادة التنظيم المالي تحليلًا افتراضيًّا لما كان سيحصل عليه الدائنون في حالة تصفية نشاط المدين.

ويشير الدليل أيضاً إلى أنه من بين الاعتبارات المتعلقة بالموافقة على الخطة أنه يجب التأكد من أن أي فئة معترضة من الدائنين ستحصل على مبلغ لا يقل عما كانت ستحصل عليه في إجراء التصفية[1].

وقد درجت العديد من الأنظمة القانونية المقارنة على ترجمة ما ورد في الدليل التشريعي من خلال اشتراط ألا يحصل الدائنون المعترضون في مقترح إعادة التنظيم المالي على أقل مما كانوا سيحصلون عليه في حال تصفية المدين.

وعلى سبيل المثال فقد تَضَمَّن قانون الإفلاس الأمريكي النص على أن خطة إعادة التنظيم بموجب الفصل الحادي عشر يجب أن تراعي قاعدة مصلحة الدائنين الفضلى، وقد أوضحت المحكمة العليا الأمريكية معيار تطبيق هذا المبدأ، إذ أوجبت أن أي دائن تتضمن الخطة إنقاص حقوقه على أي نحو يجب أن يوافق على الخطة المقترحة أو يحصل على الأقل على نفس المبلغ الذي كان سيحصل عليه في حالة التصفية بموجب الفصل السابع[2].

ومؤدى ما تقدم أن اختبار مصلحة الدائنين الفضلى يعمل كضمانة قانونية تتيح اعتماد خطط إعادة التنظيم المالي بموجب الفصل الحادي عشر على الرغم من اعتراض بعض فئات الدائنين على المقترح، ولكي يُجتاز هذا الاختبار فيجب أن تتضمن الخطة المقترحة الوفاء للدائنين بمبلغ لا يقل عما كانوا سيحصلون عليه في حال تصفية أصول المدين[3].

على أن فاعلية اختبار مصلحة الدائنين الفضلى تعتمد في النموذج الأمريكي بشكل كامل على دقة التحليل الافتراضي لسيناريو التصفية، ولتوضيح ذلك فإن تحليل التصفية الذي يستند إلى تقييم منخفض لأصول المدين من خلال البيع بأسعار التصفية المتدنية: Fire sale، قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة جذريًّا مقارنة بتحليل يفترض أن الأصول ستُباع كجزء من منشأة مستمرة في العمل: going concern[4].

لذلك فإنه بقدر ما يُصمَّم اختبار مصلحة الدائنين الفضلى لضمان تحصيل الدائنين لحقوقهم، مع تسهيل اعتماد خطة إعادة التنظيم المالي والموافقة عليها، بقدر ما يكون فرض الخطة له مصداقية وفاعلية، ولذلك فإن النهج المتبَع في المملكة المتحدة، إذ يتحمل إداري محايد مسؤولية إعداد وتقديم الخطة، قد يوفر درجة أعلى من المصداقية في التحليل الافتراضي للتصفية.

وفي المملكة المتحدة أصبحت المبادئ التي تحكم عمل آلية فرض الخطة عبر الفئات:  cross-class cram down ، ولا سيما في الحالات التي يسعى فيها المدين إلى فرض الخطة على فئة دنيا معترضة بدعم من فئة عليا، مستقرة وواضحة الآن، وتتمحور هذه العملية حول تطبيق: “اختبار عدم التضرر: no worse off test”، والذي يتضمن تحليلًا من ثلاث خطوات:

  1. تحديد النتيجة الأكثر احتمالًا للدائنين المدرجين في الخطة في حال عدم التصديق على خطط إعادة الهيكلة المقترحة.
  2. الوقوف على آثار تلك النتيجة البديلة المحتملة على الدائنين المدرجين في الفئات المعترضة على المقترح، وذلك بشكل أساسي من حيث مبالغ التحصيل المتوقعة لاستردادهم، مع أخذ الآثار الأوسع نطاقًا بعين الاعتبار.
  3. مقارنة تلك الآثار مع الأضرار والنتائج التي ستلحق فئات الدائنين المعترضين على المقترح في حال وُوفِق عليه[5].

أما في سنغافورة، فإن صلاحيات فرض خطة إعادة الهيكلة عبر الفئات قد ورد النص عليها في قانون الإعسار وإعادة الهيكلة والتصفية:  Insolvency, Restructuring and Dissolution Act – IRDA، وهي تتشابه إلى حد بعيد مع ما ورد في الفصل الحادي عشر من قانون الإفلاس الأمريكي، وتُتيح هذه الآلية للمحكمة فرض خطة إعادة الهيكلة على فئات من الدائنين المعترضين، حتى وإن لم يوافقوا على الخطة، شريطة استيفاء ضمانات قانونية معينة ولضمان حماية حقوق الدائنين، ولا يجوز فرض الخطة على الفئات المعترضة من الدائنين إلا إذا تحققت ثلاثة شروط رئيسة، هي:

  1. موافقة أغلبية موصوفة من الدائنين: إذ يجب أن يُوافَق على الخطة أولًا من قِبل فئة واحدة على الأقل من الدائنين، وفقًا للنسب المحددة قانونًا، وهي أغلبية عددية مطلقة (أكثر من: 50%)، وأغلبية فائقة من حيث قيمة الديون (75% على الأقل) من إجمالي المطالبات المدرَجة في تلك الفئة.
  2. العدالة وعدم التمييز غير العادل: فيجب ألا تُميِّز الخطة بشكل غير عادل بين الدائنين الذين يتمتعون بمراكز قانونية أو اقتصادية متشابهة، ويتطلب ذلك، بوجه عام، أن يتلقى الدائنون ضمن نفس الفئة معاملة متساوية وتوزيعات متقاربة، ما لم يكن هناك مبرر موضوعي للاختلاف في المعاملة من زاوية اقتصادية أو قانونية.
  3. المعاملة العادلة والمنصفة: إذ يجب أن تكون الخطة عادلة ومنصفة لجميع الفئات، ويتضمن هذا الشرط ضرورة مراعاة مبدأين أساسيين، هما:
    • اختبار مصلحة الدائنين الفضلى: كما ورد في المادة (70/4/أ) من قانون الإعسار وإعادة الهيكلة والتصفية، والذي يتضمن حظر تلقي أي دائن في فئة معترضة أقل مما يُتوقع أن يحصل عليه في الفرض البديل الأكثر احتمالًا في حال عدم الموافقة على الخطة، وغالبًا ما يكون هذا الفرض البديل هو التصفية أو الإدارة القضائية[6].
    • قاعدة الأولوية المطلقة: Absolute Priority Rule: والتي تقتضي عدم حصول الدائنين أو المساهمين الأدنى مرتبة على أي توزيعات بموجب الخطة ما لم يتم سداد جميع الدائنين الأعلى مرتبة بالكامل، أو أن توافق تلك الفئات العليا على خلاف ذلك.

وإجمالًا فإن هذا النهج يُحقِّق توازنًا دقيقًا بين تشجيع إعادة الهيكلة الفاعلة للشركات وبين حماية حقوق الدائنين.

أما في التجربة السعودية فيمكن القول بشكل عام أن نظام الإفلاس السعودي يحرص على مراعاة مصالح الدائنين واعتبارها، ويتجلى ذلك في مواضع عدة يمكن الإشارة إلى أبرزها فيما يأتي:
  1. بشكل عام تؤكد الفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام أن من بين أهداف نظام الإفلاس مراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل وضمان المعاملة العادلة بينهم.
  2. اشترط النظام للتصديق على أي من مقترحات التسوية الوقائية أو إعادة التنظيم المالي أن يكون المقترح عادلًا، حتى ولو وافقت عليه كل فئات الدائنين. ومن بين المعايير التي تنظر فيها المحكمة للتحقق من عدالة المقترح حصول الدائنين على معلومات وافية لدراسته والبدائل المتاحة للمدين مقارنة بالبنود الواردة في المقترح، ويعني هذا الشرط ضِمنًا أن الإفصاح المالي للمدين بالمقترح يجب أن يبين البدائل التي يمكن للمدين اللجوء لها للخروج من حالة التعثر، إذ يكون البديل الذي يتضمنه المقترح أقل البدائل إضرارًا بالدائنين، فلا ينبغي أن يُضمِّن المدين المقترح تسويات تتجاوز حدود إصلاح الخلل المالي الذي يكفل الخروج من حالة التعثر فيثرى على حساب الدائنين دون وجه حق، وهو ما تراقبه المحكمة بصدد مراعاتها عدالة المقترح[7].
  3. حظَر النظام أن يتضمن المقترح ما يخالف أحكام النظام والأنظمة ذات العلاقة بشأن أولويات الديون، واعتبر أي تصرف خلاف ذلك باطلًا، ومؤدى ذلك أن نظام الإفلاس أوجب اعتبار أولويات الديون وعدم المساس بها، فلا يجوز أن تتضمن التسويات التي يتضمنها المقترح تقدم الدائن العادي على الدائن صاحب الدين الممتاز أو المضمون برهن، في اقتضاء دينه[8].
  4. أجاز النظام للمحكمة التصديق على مقترح إعادة التنظيم المالي إذا قبلته كل فئات الدائنين، أو إذا قبلته فئة واحدة على الأقل من فئات الدائنين وصوت بالموافقة عليه دائنون تمثل قيمة مطالباتهم (٥٠٪) على الأقل من مجموع قيمة مطالبات الدائنين المصوتين في جميع الفئات، إذا رأت المحكمة أن التصديق على المقترح يحقق مصالح أغلبية الدائنين، وهذا يعني أن للمحكمة صلاحيات واسعة في التصديق على مقترح لم يحظَ بموافقة كل فئات الدائنين: cross-class cramdown، لكن النظام قيَّد هذه السلطة التقديرية بوجوب أن تقتنع المحكمة أن المقترح يحقق مصلحة أغلبية الدائنين.

وهذا القيد الذي ورد في الفقرة الفرعية (2/ب) من المادة (80) من نظام الإفلاس يشير بشكل ضمني إلى تقيُّد المحكمة لدى فرض المقترح بمبدأ تحقيق المصلحة الفضلى للدائنين: best interest of creditor، والطريق الأمثل للتحقق من مصلحة الدائنين المثلى هو المقارنة مع فرضية التصفية: Hypothetical liquidation analysis ، ومؤدى ذلك  أنه بالرغم من أن نظام الإفلاس السعودي لم ينص صراحة على ألا يقل ما يحصل عليه الدائن المعارض للمقترح في إجراء إعادة التنظيم المالي عما كان سيحصل عليه في إجراء التصفية، إلا أن اشتراط التحقق من تحقيق المقترح لمصلحة أغلبية الدائنين يفتح المجال لتطبيق قاعدة المصلحة الأمثل للدائن في أحوال فرض المقترح.

وصلاحية فرض المقترح لا تقتصر على الفئات الأدنى من الدائنين من حيث الأولوية، بل يمكن أن تمتد للفئات الأعلى إذا تحققت النسبة المطلوبة بشرط تحقيق مصلحة أغلبية الدائنين، وقد يتحقق هذا من الناحية العملية إذا كان أحد الدائنين دينه مضمونًا برهن أصل لا تكفي قيمته للوفاء بدينه وكان ما يمكن أن يحصل عليه في إجراء إعادة التنظيم المالي أعلى من حصيلة بيع الأصل الضامن، ولذلك فلا يوجد اتجاه واحد لصلاحية فرض الخطة في نظام الإفلاس السعودي، فقد يكون فرض المقترح لأعلى: cram-up، أو متوسطًا بين الدائنين: cram-sandwich.

على أن اشتراط أن يحقق المقترح مصلحة أغلبية الدائنين يُفهم منه أنه يجب أن يحقق أيضًا مصلحة الدائنين المعارضين، ولو كان المقصود بالنص الأغلبية من حيث وزن الديون لكان هذا الشرط لغوًا لا يضيف جديدًا، لأن النظام اشترط لفرض المقترح حصول المقترح على موافقة أغلبية مطالبات الدائنين، ومؤدى ذلك أن إعمال هذا الشرط  يتطلب التحقق من البدائل التي يمكن أن يحصل من خلالها الدائنون على حقوقهم سواء من خلال التصفية أو من خلال طرق التنفيذ العادية للوقوف عليها ومقارنتها بما سيحصلون عليه من خلال التسويات الواردة في المقترح، وتقييم مدى كون ذلك يمثل بديلًا أفضل لهم.

ويتطلب ذلك إفصاحًا ماليًّا متكاملًا وشفافًا من المدين في المقترح، وعرض البدائل للتسويات المقترحة، وتحليل التصفية الافتراضي، وذلك تحت إشراف الأمين ثم المحكمة للتحقق من حصول تصديق متوازن يحفظ حقوق جميع الأطراف.

[1] UNCITRAL Legislative Guide on Insolvency Law, Parts 1 & 2, Paragraphs: 3, 5, 19, 25, 26, 29, 37 and 54.

[2] U. S. Supreme Court, United States v. Reorganized CF&I Fabricators of Utah, June 20, 1996.

[3] Section 1129/7/a/ii – US Bankruptcy Code.

[4] JonathanHicks , Foxes Guarding the Henhouse: The Modern Best Interests of Creditors Test in Chapter 11 Reorganizations, Nevada Law Journal, Spring 2005.

[5] DeepOcean I UK Limited & others [2020] EWHC 3549 (Ch) (convening); [2021] EWHC 138 (Ch) (sanction), Trower J, 15 December 2020 and 28 January 2021

[6] Section 70/4/A- Insolvency, Restructuring and Dissolution Act 2018.

[7] المادتان (35)، و(91) من نظام الإفلاس السعودي.

[8] المادة 81 من نظام الإفلاس السعودي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية في المملكة العربية السعودية وفي القوانين المقارنة

مقدمة وطبيعة المشكلة

تمثل الإجراءات الوقتية والتحفظية Interim Relief or Conservatory Measures  صورة من صور الحماية المؤقتة تتمثل في صورة أوامر أو أحكام تصدر ذات طبيعة مؤقتة لحين الفصل في النزاع بشكل قطعي، لها أهداف مختلفة تشمل المحافظة على الوضع القائم أو إعادته إلى ما كان عليه لحين الفصل في النزاع، أو منع التلاعب بالأدلة، أو المحافظة على الأصول التي يمكن أن تضمن تنفيذ الحكم النهائي.

ويعد تنظيم وطلب الإجراءات الوقتية والتحفظية من الأمور التي استقرت معظم الأنظمة القضائية المعاصرة على تنظيمها ومعالجتها، على أن اللجوء لطلب الإجراءات الوقتية والتحفظية في إجراءات التحكيم صار من الأمور الذائعة الانتشار في التحكيم وتضمنته العديد من القوانين المقارنة، علاوة على انتشاره في قواعد العديد من مؤسسات التحكيم العالمية الرائدة مثل المركز الدولي لتسوية المنازعات بجمعية التحكيم الأمريكية AAA-ICDR، أو محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية ICC، أو مركز سنغافورة للتحكيم التجاري الدولي SIAC، أو محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA، وكذلك في المركز السعودي للتحكيم التجاري الدولي CCA، سواء من خلال تمكين الأطراف من طلب هذه التدابير من هيئة التحكيم فور تشكيلها، أو من خلال طلبها من محكم الطوارئ أو محكم التدابير المستعجلة الذي يمكن أن يُعين ليفصل في هذه الطلبات قبل تشكيل هيئة التحكيم.

وبالرغم من أن طلب التدابير الوقتية والتحفظية صار متاحًا في إجراءات التحكيم المعاصرة سواء كان تحكيمًا حرًّا أو مؤسسيًّا، فإن طلب التدابير الوقتية والتحفظية من المحاكم ما زال له جاذبية خاصة لدى العديد من أطراف خصومة التحكيم، ومن عوامل جاذبيته أنه يمكن طلب التدابير الوقتية في العديد من القوانين المقارنة من خلال أمر على عريضة Ex-Parte دون اكتمال انعقاد الخصومة، كما أنه يمكن أن تكون التدابير الوقتية والتحفظية الصادرة من القضاء نافذة في مواجهة الغير كما هو الحال في الأمر الصادر بتجميد حساب مصرفي لدى أحد المصارف([i]).

وتعالج قوانين التحكيم المقارنة أحوال اتفاق الأطراف على ولاية هيئة التحكيم للنظر في طلب التدابير الوقتية والتحفظية، وأحوال غياب مثل هذا الاتفاق، وكيف يمكن للأطراف الحصول على الحماية الوقتية، والتحفظية، وتعرض هذه الورقة لمسألة الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية في نظام التحكيم السعودي والقوانين المقارنة والخيارات المتاحة في التحكيم الحر والمؤسسي.

 

هل يشمل اتفاق التحكيم ولاية هيئة التحكيم للنظر في طلبات التدابير الوقتية والتحفظية وإصدارها؟

بالرغم من أنه قد صار مستقرًّا في الممارسة أن التحكيم أصبح هو القضاء الطبيعي للتجارة الدولية، فإن اتفاق التحكيم ما زال شرطًا أساسيًّا لازمًا مطلوبًا كي يكون لهيئة التحكيم ولاية بنظر النزاع، فالتحكيم على خلاف قضاء الدولة ليس متاحًا دائمًا ولا موحدًا، فاتفاق الأطراف هو ما يؤصل الخروج على الولاية العامة لقضاء الدولة وانعقاد الولاية لهيئة التحكيم، ليكون دور الدولة هو الاعتراف بالأثر الكامل لإرادة الأطراف المتمثلة في اتفاق التحكيم وضبط حدودها([ii])، ومؤدى ذلك أن يكون لاتفاق التحكيم أثران؛ أحدهما سلبي ويتمثل في امتناع القضاء عن نظر الدعوى، والآخر إيجابي يتمثل في اختصاص هيئة التحكيم بنظر الدعوى والفصل فيها بحكم حائز لقوة الأمر المقضي، والتساؤل الذي يطرح نفسه: هل يمتد الأثر السلبي والإيجابي لاتفاق التحكيم ليشمل التدابير الوقتية والتحفظية، ليصبح مجرد وجود اتفاق التحكيم يعني سلب اختصاص القضاء باتخاذ هذه التدابير وانعقاد الاختصاص لهيئة التحكيم، أو أن الأمر يتطلب اتفاقًا خاصًّا؟([iii]). تعرض السطور الآتية موقف القانون النموذجي وبعض القوانين المقارنة قبل أن تعرض موقف نظام التحكيم السعودي.

الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية وفق القانون النموذجي للأونسترال

لم يعتبر قانون الأونسترال النموذجي أن لاتفاق التحكيم أثرًا سلبيًّا يمنع الأطراف من طلب الإجراءات الوقتية والتحفظية من المحاكم قبل بدء إجراءات التحكيم، أو أن تصدر المحاكم تدابير وقتية بناء على هذه الطلبات([iv])،

أما بعد بدء إجراءات التحكيم وتشكيل هيئة التحكيم، فقد أجاز القانون النموذجي لهيئة التحكيم إصدار تدابير مؤقتة بناء على طلب أحد الطرفين، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك([v])، وأوجب القانون النموذجي الاعتراف بالتدبير المؤقت الصادر عن هيئة التحكيم كتدبير ملزم ويتعين إنفاذه بصرف النظر عن البلد الذي أصدر فيه([vi])،

لكن القانون النموذجي للأونسترال لم يسلب القضاء صلاحية إصدار تدابير مؤقتة أثناء إجراءات التحكيم فقد أجاز للمحكمة أن تصدر إجراءات مؤقتة لأغراض إجراءات التحكيم، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الإجراءات تجري في إقليم الدولة التي يطلب من محاكمها إصدار التدابير المؤقتة([vii]).

وقد حرصت المذكرة الإيضاحية للقانون النموذجي على التأكيد أن الغرض من هذا الحكم الأخير الذي أضيف في عام 2006 استبعاد أي مجال للشك في أن وجود اتفاق التحكيم لا ينال من صلاحيات المحكمة المختصة لإصدار التدابير المؤقتة، وأن للطرف في الاتفاق التحكيم حرية التقدم للمحكمة بطلب الأمر بالتدابير المؤقتة، كما أن له أن يتقدم بها لهيئة التحكيم.

ومؤدى النصوص المتقدمة أن الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية وفق قانون الأونسترال النموذجي هو اختصاص مشترك بين المحاكم وهيئات التحكيم، وللأطراف حرية الاختيار بين أي منهما ما لم يتضمن اتفاق التحكيم النص على خلاف ذلك، ولا يتطلب الأمر على هذا النحو وجود اتفاق خاص بين الأطراف يعطي هيئة التحكيم صلاحية اتخاذ الإجراءات التحفظية والوقتية، بل للأطراف الاتفاق على استبعاد الهيئة من هذا الاختصاص.

الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية في القوانين المقارنة

يتيح قانون التحكيم الإنجليزي للأطراف الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم صلاحية إصدار تدابير وقتية تحفظية، على أن هذا الاختصاص منوط بأن يتفق الأطراف على منح الهيئة هذه الصلاحية، فإن لم يتفق الأطراف اتفاقًا خاصًّا على ذلك، فلا يكون لهيئة التحكيم هذه الصلاحية([viii]).

وفي المقابل يعطي قانون التحكيم الإنجليزي القضاء صلاحية اتخاذ إجراءات وقتية تحفظية دعمًا لهيئة التحكيم، وذلك في الأحوال التي لا يكون لهيئة التحكيم هذه الصلاحية فحسب، أو أن تكون غير قادرة على مباشرتها([ix]).

وعلى ذلك، فإن قانون التحكيم الإنجليزي لم يعط كلًّا من هيئة التحكيم والمحكمة اختصاصًا مشتركًا بإصدار تدابير وقتية أو تحفظية، بل جعل اختصاص هيئة التحكيم بإصدار هذه التدابير منوطًا باتفاق الأطراف على منح هيئة التحكيم هذا الاختصاص، فإن غاب هذا الاتفاق فإن الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية يكون للقضاء في إطار دوره في دعم إجراءات التحكيم.

أما القانون الفرنسي، فإن وجود اتفاق التحكيم لا يمنع الأطراف من طلب التدابير الوقتية والتحفظية من المحكمة ما دام أن هيئة التحكيم لم تشكل بعد([x])، أما في حال تشكيل هيئة التحكيم فإن الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية يصبح لهيئة التحكيم، عدا بعض أنواع التدابير الوقتية التي يبقى الاختصاص فيها للقضاء مثل أوامر الحجز والضمانات القضائية  Sûretés Judiciaires([xi]).

أما قانون التحكيم المصري، فقد أجاز للمحكمة أن تأمر بناء على طلب أحد طرفي التحكيم باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها([xii]).

ومن جهة أخرى يجيز قانون التحكيم المصري لأطراف التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم -بناء على طلب أحدهما- أن تأمر أيًّا منهما باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، أو أن تطلب تقديم ضمان كاف لتغطية نفقات التدبير الذي تأمر به، فإذا تخلف من صدر إليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم -بناء على طلب الطرف الآخر- أن تأذن له باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه، أو أن يطلب من المحكمة الأمر بتنفيذ هذا التدبير([xiii]).

ومؤدى النصوص المتقدمة أن قانون التحكيم المصري عد اختصاص المحكمة باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية اختصاصًا أصيلًا لا ينفك عنها بعد السير في إجراءات التحكيم إلا باتفاق الأطراف على أن يكون لهيئة التحكيم أن تأمر باتخاذ هذه التدابير([xiv]).

الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية في نظام التحكيم السعودي

أعطى نظام التحكيم السعودي المحكمة صلاحية الأمر باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية بناء على طلب أحد أطراف التحكيم قبل البدء في إجراءات التحكيم أو بناء على طلب هيئة التحكيم أثناء سير إجراءات التحكيم، وأجازت الرجوع عن تلك الإجراءات بالطريقة نفسها، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك([xv]).

على أنه من جهة أخرى أجاز نظام التحكيم السعودي لأطراف التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم ـبناء على طلب أحد الأطراف- أن تأمر باتخاذ ما تراه من تدابير وقتية أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، ولهيئة التحكيم أن تلزم الطرف الذي يطلب اتخاذ تلك التدابير تقديم ضمان مالي مناسب لتنفيذ هذا الإجراء، فإذا تخلف من صدر عليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم بناء على طلب الطرف الآخر أن تأذن له باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه بما في ذلك أن يطلب من الجهة المختصة تكليف من صدر عليه الأمر بتنفيذه([xvi]).

ومؤدى ذلك أن نظام التحكيم السعودي أتاح للقضاء في إطار مباشرة دوره الداعم للتحكيم أن يقضي باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية بناء على طلب أي من الأطراف قبل البدء في إجراءات التحكيم، أما بعد البدء في إجراءات التحكيم فإن طلب إصدار التدابير الوقتية يقتصر على هيئة التحكيم التي لها تقييم الطلب ورؤية مدى رجحان قبوله أو قيامه على أسس صحيحة، فإن بدا لها ذلك رفعته للمحكمة وطلبت منها الأمر بالتدبير الوقتي أو التحفظي، وإلا قضت بعدم قبوله.

على أن التحدي الذي قد يواجه الأطراف في هذا الصدد أن تشكيل هيئة التحكيم قد يكون بعد بدء إجراءات التحكيم التي تبدأ وفق نص المادة (26) من نظام التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه أحد طرفي التحكيم طلب التحكيم من الطرف الآخر ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، ولذلك فإنه يحدث في العمل أن تمضي فترة زمنية من بدء إجراءات التحكيم حتى تشكيل الهيئة لا يتاح للأطراف فيها التمتع بالحماية الوقتية أو التحفظية من القضاء أو الهيئة.

وإذا كنا نرى أن الحماية الوقتية تبقى من اختصاص القضاء ما دامت الهيئة لم تشكل، إلا أنه قد يكون من المناسب دراسة الطرف المعني قبل البدء في إجراءات التحكيم مدى حاجته لطلب تدبير وقتي أو تحفظي، فيبادر بطلبه من المحكمة قبل البدء في إجراءات التحكيم.

التدابير الوقتية والتحفظية وفق قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري

تتيح قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري لهيئة التحكيم -بناء على طلب أحد الأطراف- أن تأمر باتخاذ أي تدابير مؤقتة أو تحفظية تراها ضرورية([xvii]).

ومن جهة أخرى وعلى غرار العديد من مؤسسات التحكيم العالمية أجازت قواعد تحكيم المركز للأطراف طلب تعيين محكم للتدابير المستعجلة إذا اقتضت الحاجة أن ينظر في التدبير المستعجل قبل تشكيل هيئة التحكيم([xviii]).

وأفردت لذلك ملحقًا يعالج إجراءات عمل محكم التدابير المستعجلة هو الملحق الثالث للقواعد، وقد بنيت إجراءات عمل المحكم على تبني آجال قصيرة لتعيين المحكم، ونظر الطلب، مع تحديد مهلة زمنية إجمالية لإصدار التدبير المؤقت خلال أربعة عشر يومًا من تاريخ إحالة الملف للمحكم.

ويلحظ أن اتفاق الأطراف على كون التحكيم وفق قواعد إحدى مؤسسات التحكيم يعني -وفق صريح نص المادة الرابعة من نظام التحكيم السعودي- الترخيص لهذه المؤسسة في اختيار الإجراء الواجب الاتباع، وذلك في الحالات التي يجيز فيها النظام لطرفي التحكيم اختيار الإجراء الواجب، ومن ضمن هذه الحالات الاتفاق على صلاحية هيئة التحكيم في إصدار التدابير المؤقتة والتحفظية.

وينظر البعض لما درجت عليه مؤسسات التحكيم من تضمين أحكام خاصة لمحكم التدابير المستعجلة أو الطوارئ ما يعزز توفير الحماية الوقتية في إجراءات التحكيم بشكل فاعل([xix])، ولذلك فقد رفضت المحكمة العليا الإنجليزية أن يكون لها صلاحية إصدار تدابير وقتية وفق قانون التحكيم، إذا كان بوسع الأطراف اللجوء لطلب تعيين محكم التدابير المستعجلة وفق قواعد محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA، باعتبار أن اختصاص القضاء بإصدار هذه التدابير مقيد بأن تكون هيئة التحكيم أو غيرها من الأجهزة المعنية لا تملك الصلاحية في إصدار هذه التدابير، أو غير قادرة على مباشرة هذا الاختصاص، ولذلك فقد رأت المحكمة أن إجراءات محكم التدابير المستعجلة تتيح للأطراف فرصة كافية للحصول على الحماية الوقتية([xx]).

ينبغي على الأطراف قبل البدء في إجراءات التحكيم النظر بعناية في القيود التي على اختصاص القضاء وهيئات التحكيم في إصدار تدابير وقتية أو تحفظية، ومراعاة ذلك في توقيت طلب التدبير الوقتي والتحفظي، ويوفر التحكيم المؤسسي فرصة جيدة لإتاحة طلب الحماية الوقتية والتحفظية سواء من خلال إعمال نصوص محكم التدابير المستعجلة أو محكم الطوارئ، أو من خلال صلاحية هيئة التحكيم في إصدار هذه التدابير.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار

 

تحقيق المطالبات المحتملة والمتنازع عليها في إجراء إعادة التنظيم المالي

مقدمة

إن أحد الأهداف الجوهرية لقوانين الإفلاس المعاصرة -ومن بينها نظام الإفلاس السعودي- هو تنظيم فوضى المطالبات الفردية للمدين المتعثر، ومن هنا ظهرت أهمية تعليق المطالبات لفترة زمنية محددة، والتحقيق المركزي للمطالبات من خلال الكيانات القائمة على تطبيق أنظمة الإفلاس. وهناك ثلاثة إجراءات رئيسة للإفلاس:

  • التسوية الوقائية
  • إعادة التنظيم المالي
  • التصفية

ويركز مقالنا هذا على إجراء إعادة التنظيم المالي -والذي يتضمن مراجعة شاملة للوضع المالي للمدين- بهدف إعادة تنظيم نشاط المدين ماليًّا تحت إشراف أمين إفلاس مرخص؛ لضمان عدالة الإجراء.

ومن إيجابيات إجراء إعادة التنظيم المالي أنه:

  • يتيح للدائنين تقديم مطالباتهم خلال مدة لا تزيد على 90 يومًا من تاريخ افتتاح الإجراء، ويكون الحد الأقصى 60 يومًا في حالة إجراء إعادة التنظيم المالي لصغار المدينين.
  • يشمل أي دين -في ذمة المدين- نشأ قبل صدور حكم افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي، ويستوي أن تكون المطالبة بدين حال أو آجل، منجَّز أو موقوف، محقَّق أو محتمل، وسواء كان محدد القيمة أو غير محدد القيمة.
  • لا يُشترط أن تكون المطالبة مرتبطة بنشاط المدين؛ فكل الديون الثابتة في ذمة المدين يجوز التقدم بالمطالبة بها في إجراء إعادة التنظيم المالي.
  • يوجب على الأمين التحقق من هذه المطالبات ودراستها، وإعداد قائمة بالمطالَبات متضمنة توصيته إزاء كل مطالبة، وقد تكون التوصية بالقبول أو الرفض، أو العرض على خبير لاستجلاء مسألة فنية من المسائل الواقعية في المطالبة.
  • يوجب تبليغ مقدم المطالبة الذي أوصى الأمين برفض مطالبته أو عرضها على الخبير لتحقيق مبدأ المواجهة؛ إذ يحق لهذا الدائن أن يمثُل أمام المحكمة ليطلب اعتمادها ضمن قائمة المطالَبات.

والإشكال محل البحث الذي تطرحه هذه الورقة هو الوقوف على أشكال المطالبَات غير المؤكدة وغير المنجزة وغير الحالَّة وغير المقدرة -التي يمكن تقديمها في إجراء إعادة التنظيم المالي- والخيارات المتاحة للدائن في هذا الصدد، وما ينبغي على الأمين عمله إزاءها.

أنواع المطالَبات التي يمكن التقدم بها في إجراء إعادة التنظيم المالي:

جاء نظام الإفلاس موسَّعًا فيما يمكن التقدم به من مطالبات في إجراء إعادة التنظيم المالي، وإن كان هناك قيدان قد تضمنهما النظام وهما:

  1. وجوب أن تكون المطالبة بحق مالي: فلا تقبل المطالبات غير المالية؛ مثل المطالبة بفسخ عقد، أو إخلاء مأجور، أو تسليم مبيع، حتى ولو كانت ستؤثر على الحقوق المالية للأطراف. وعلى من يكون له دعوى ضد المدين بحق من هذه الحقوق أن:
  • يتريث لانقضاء فترة تعليق المطالبات ثم يتقدم بدعواه لدى الجهة المختصة بالفصل في النزاع، سواء كانت القضاء أو التحكيم.
  • أو يواصل دعواه إن كانت الدعوى قد أقيمت وأُوقفت كأثر من آثار التعليق.
  • أو أن يطلب من المحكمة وقف سريان تعليق المطالبات فيما يتصل بهذه الدعوى.
  1. وجوب أن يكون قد نشأ قبل افتتاح الإجراء: سواء كان منشأ هذا الدين تصرفًا نظاميًّا أو واقعة مادية.

وبالنسبة للمطالبات بحق مالي، فلا تثير المطالبات الثابتة الحالَّة المنجزة المقدرة القيمة أي إشكال، ولكن هناك صورًا أخرى للمطالبات قد تثير بعض الإشكال، وهي:

المطالبة غير مقدرة القيمة: ويكون ذلك إذا كان مقدم المطالبة يستند إلى التزام تعذر تنفيذه عينًا فصار إلى طلب التعويض، دون أن يكون هذا التعويض مستقرًّا اتفاقًا أو قضاء. وقد أوجب النظام في هذه الحالة على مقدم المطالبة أن يحدد قيمة تقديرية للدَّين المطالب به، وأن يتحقق الأمين من القيمة الفعلية لهذه المطالبة، بمعنى أن عليه أن يدرس عناصر الضرر الذي لحق بمقدم المطالبة وفق صورة المسؤولية المدنية المدعَى بها، سواء كانت مسؤولية عقدية أو تقصيرية.

المطالبة الآجلة: الأجل هو مدة من الزمن مستقبلة محققة الوقوع، ومحدَّدة شرعًا أو قضاء أو اتفاقًا؛ للوفاء بالتزام معين. والتأجيل هو تأخير تسليم العوض إلى وقت معين.

المطالبة المعلقة على شرط: أي المعلقة على أمر في المستقبل غير محقق الوقوع، ويجب أن يكون الشرط:

  • محتملًا غير محقق الوقوع، وغير موجود وقت نشأة الالتزام؛ فلو كان الشرط موجودًا وقت نشأة الالتزام لكان الالتزام منجزًا.
  • ممكنًا؛ فلا يصح تعلق الالتزام على أمر مستحيل.
  • أمرًا مشروعًا، أي غير ممنوع بمقتضى الشريعة الإسلامية والنظام العام.

المطالبة المحتملة: مع أن الأصل في المطالبة المعلقة على شرط أن تكون مطالبة محتملة -؛ لأن الشرط أمر محتمل في المستقبل غير محقق الوقوع-، لكن عبارات المنظِّم جاءت أوسع بشكل كبير لتشمل كل صور الاحتمال، بل وتضمن نص الفقرة الأولى من المادة (63) من نظام الإفلاس إضافة كل ما له قيمة مالية حالية أو مستقبلية.

ومن صور المطالبات المحتملة أن:

  • يكون عنصر الضرر في مسؤولية المدين العقدية أو التقصيرية لم يستقر بعد؛ كأن يكون خطأ المدين ترتب عليه إصابة مقدم المطالبة بإصابة بدنية لم يُشفَ منها بعدُ، فلا يتضح حينئذ حجم الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به.
  • يرجع مقدم المطالبة على المدين بدعوى الرجوع؛ لاستيفاء شخص آخر منه دينًا على المدين، مؤسسًا دعواه على أساس الإثراء بلا سبب، كما هو الحال في حالة الكفيل في رجوعه على المدين إن لم يكن بينهما علاقة عقدية، في حين تكون واقعة الوفاء ما زالت لم تستقر؛ لكونها محل منازعة قضائية بين مقدم المطالبة وهذا الشخص.
  • يستند مقدم المطالبة إلى حكم صادر ضد المدين لكنه محل اعتراض بالاستئناف.
ما فلسفة نظام الإفلاس في إتاحة الفرصة لأصحاب المطالبات المحتملة؟

إن فلسفة نـظام الإفلاس في إتاحة الفرصة لأصحاب المطالبات المحتملة في التقدم بمطالباتهم في إجراء إعادة التنظيم المالي، هي أن هذا الإجراء يتضمن معالجة مالية شاملة للمدين ولا يتطلب فقط أن يكون لدى كل الأطراف المعنية قائمة بالديون الثابتة الحالَّة المنجزة في ذمة المدين، بل أيضًا الديون المحتملة والآجلة والموقوفة وغير المقدرة القيمة وذلك للأسباب الآتية:

  • إحاطة الدائنين بالموقف المالي للمدين ليتمكنوا من تحديد موقفهم لدى التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، فيكون لدى الدائنين القدرة على التنبؤ بمدى قدرة النشاط على الاستمرار وحجم أصوله وديونه، فيقدروا ما إذا كان قبول بعض الإنقاص من حقوقهم في صورة تأجيل بعض الديون أو الحط منها أفضل لهم من خيار تصفية النشاط وتسييل الأصول. وقد لا يُكتفى في هذا الصدد بالإفصاح المالي للمدين -الوارد في المقترح والمستند إلى وثائق المدين وقوائمه المالية- كما هو الحال في إجراء التسوية الوقائية، بل يجب أن تُحقَّق الديون وتُجرَّد الأصول على نحو ما يتضمنه إجراء إعادة التنظيم المالي.
  • ضمان سلامة الإجراء ولتعزيز فرص نجاح المقترَح؛ إذ ينظر المدين فيما إذا كان الأجدى أن يُضمِّن المطالبات المحتملة غير الحالَّة والموقوفة في المقترح أو أن يعالجها شأن الديون الثابتة الحالَّة والمنجزة؛ حتى لا يفاجأ بعد انتهاء تعليق المطالبات بالعديد من الأحكام وقرارات التنفيذ بعد استقرار هذه المطالبات وثبوتها في ذمته بأحكام نافذة، الأمر الذي قد يعوق قدرته على تنفيذ خطة إعادة التنظيم المالي. ولا يعني تضمين هذه المطالبات المحتملة في المقترح إقرار المدين بها -إن كانت محل نزاع- أو قبوله بتعجيلها -إن كانت مؤجلة- أو تنازله عن الشرط إن كانت موقوفة، بل هو يتحوط في الخطة؛ لفرضية أن تستقر هذه المطالبات وتتحول لحقوق ثابتة قابلة للتنفيذ مما قد يؤثر على ملاءة المدين وقدرته على تنفيذ الخطة.

ويمكن للمدين -إن رأى تضمين هذه المطالبات المحتملة في المقترح- أن يضع هؤلاء الدائنين في فئة واحدة أو في عدة فئات؛ حتى لا يؤثر ذلك في عدالة تصنيف الدائنين، فلا يكون لهؤلاء حقوق متساوية في التصويت كالدائنين أصحاب الحقوق الثابتة المنجزة الحالَّة.

خيارات الدائن إن كانت المطالبة محتملة أو متنازع عليها 

إن الأثر المترتب على عدم تقدم الدائن بمطالبته -في المدة المحددة المعلن عنها من الأمين- هو استبعاده من التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، إلا إذا أثبت الدائن للمحكمة -قبل التصويت- أنه قدم مطالبته ولم تصل للأمين لسبب خارج عن إرادته، أو أن المدين أو الأمين أسقط مطالبته من قائمة المطالَبات.

إذا سقط حق الدائن في التصويت، فإن هذا لا يؤثر على حقوقه تجاه المدين، فلا يعد عدم تقدمه بالمطالبة تنازلًا منه عن حقه لدى المدين؛ فهو ليس ملزمًا بتقديم مطالبته ودعواه في إجراء إعادة التنظيم المالي، بل يمكنه متابعة ذلك أمام جهة الفصل في المنازعات المختصة. ويرى البعض أن تقدم الدائن بمطالبته في إجراءات الإفلاس يؤثر بالقطع على استراتيجيته في متابعة دعواه أمام القضاء؛ لأن قضاء الإفلاس مقيَّد في إجراءاته بأنماط وأدلة إثبات وأطر زمنية محددة، وتجري دراسة المطالبات فيه بشكل جماعي، بما يؤثر على الوقت والاهتمام بالمطالبة من حيث الدراسة.

ويلحظ على تقديم المطالبة وتضمينها في قائمة المطالبات في إجراء إعادة التنظيم المالي ما يأتي:

  • أنه ليس له أثر تنفيذي يوجب إلزام المدين بالأداء الذي تضمنته المطالبة.
  • أنه لا يلزم المدين بأن يُضمِّن هذه المطالبة في مقترح إعادة التنظيم المالي.
  • أنه لا يعني أن يكون لصاحب هذه المطالبة الحق في التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي؛ فالتصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي -وفق نص الفقرة الأولى من المادة (66) من نظام الإفلاس- لا يكون إلا لمن ضُمِّنت مطالبته في قائمة المطالبات المقبولة، وبشرط أن يكون المقترَح يرتب أثرًا في حقوقه النظامية أو التعاقدية.

كما أنه ينبغي على الدائن أن يتقدم بمطالبته في إجراء إعادة التنظيم المالي؛ تحسبًا لأن يُضمِّن المدين مطالبة هذا الدائن في المقترح، أو أن يتضمن المقترح إنقاص هذه المطالبة بالتخفيض أو إعادة الجدولة دون أن يكون من حق هذا الدائن التصويت على المقترح لكونه لم يتقدم لتضمين مطالبته في قائمة المطالبات، مع ملاحظة أن خطة إعادة التنظيم المالي متى صُدق عليها صارت ملزمة للمدين والدائنين والملاك وفق ما نصت عليه المادة (37) من نظام الإفلاس التي تسري بالإحالة على إجراء إعادة التنظيم المالي.

لذلك فإن الدائن من خلال تقدُّمه بمطالبته في إجراء إعادة التنظيم المالي يسعى لأن يكون له موضع قدم وصوت في إجراء إعادة التنظيم المالي وذلك من خلال الآتي:

  • التصويت على المقترَح إن كان يؤثر في حقوقه على أي نحو.
  • الترشح لعضوية لجنة الدائنين إن شُكلت؛ إذ يُشترط للترشح لعضويتها أن يكون للدائن مطالبة مقبولة في قائمة المطالبات وفق ما نصت عليه الفقرة الفرعية (3/أ) من المادة (24) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس، ولهذه اللجنة العديد من الاختصاصات المؤثرة في إدارة الإجراء، وتعمل رقابتها على أداء الأمين والمدين على حد سواء.
  • المطالبة بدَينه بجميع وسائل الانتصاف الممكنة، واللجوء لكل وسائل التنفيذ المتاحة متى انتهى تعليق المطالبات، وذلك في حالة لم تُدرَج المطالبة في قائمة المطالبات كما هو الحال لو رفضتها المحكمة، أو إذا لم يُضمِّن المدين دَين مقدم المطالبة في مقترح إعادة التنظيم المالي.
موقف الأمين إزاء المطالبات المحتملة أو المتنازع عليها
  1. إذا كانت المطالبة موقوفة على شرط، أو آجلة لكن هناك دليلًا على ثبوتها بحق المدين: فعلى الأمين أن يوصي بقبولها مع إثبات الوصف الخاص بها في أسباب توصيته.
  2. إذا كانت المطالبة غير مقدرة القيمة، وكان الدائن قد قدم المطالبة بقيمة تقديرية: فعلى الأمين أن يتحقق من القيمة الفعلية لها، وأن يراجع تقدير الدائن ولو اقتضي الأمر عرض الأمر على خبير، وإذا كانت المطالبة بعملة أجنبية وجب تحويلها إلى الريال السعودي وفق أسعار الصرف السائدة في تاريخ افتتاح الإجراء.
  3. إذا كانت المطالبة متنازعًا عليها، وكان هذا النزاع ما زال منظورًا أمام جهة كالقضاء أو التحكيم دون أن يكون قد صدر حكم نهائي: فإنه ينبغي على الأمين أن يقول كلمته في هذه المطالبة بالتوصية بالقبول أو الرفض، استنادًا إلى ما يقدمه مقدم المطالبة من أدلة وأوراق ثبوتية، ولا يعد ذلك افتئاتًا على اختصاص الجهات الأخرى؛ لأن مقدم المطالبة هو من لجأ طواعية إلى قضاء الإفلاس بتقديم مطالبته، وهو ما جرى عليه عمل قضاء الإفلاس في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان استجلاء بعض عناصر هذه المنازعة يتطلب رأيًا فنيًّا، فقد يوصي الأمين بعرض الأمر على خبير لاستجلاء هذه العناصر إن كان من الممكن إنجاز هذه المهمة في إطار زمني معقول يتناسب مع الأطر الزمنية لإدارة الإجراء.
  4. إذا كان استجلاء العناصر الواقعية للمطالبة يتطلب وقتًا يتجاوز الأطر الزمنية المعقولة، أو إذا كانت المنازعة المنظورة أمام القضاء أو التحكيم بشأن المطالبة قد قطعت شوطًا طويلًا: فلا بأس بأن يوصي الأمين بقبول المطالبة كمطالبة محتملة تقبل لغرض التصويت حتى يُفصل في النزاع المتداوَل بشأنها.
  5. المطالبات المحتملة والتي لم تستقر بعد كامل عناصرها الواقعية، أو كان هناك منازعة يمكن أن تؤثر في حقوق مقدم المطالبة لدى المدين: ينبغي أن يُضمِّن الأمين المطالبة في قائمة المطالبات كمطالبة محتملة مقبولة لغرض التصويت. ­­­
استبعاد المطالبات المحتملة

قد يرى البعض أن يقتصر تضمين المطالبات في قائمة المطالبات على المطالبات الثابتة المنجزة، وهذا وإن كان يصح في إجراء التصفية إذ سيترتب على تضمين المطالبة ثبوت حق الدائن في التوزيع من حصيلة التفليسة، إلا أن الامر في إعادة التنظيم المالي يختلف؛ إذ إن استبعاد المطالبات المحتملة يترتب عليه ما يأتي:

  • يُضعِف من فرص نجاح خطة إعادة التنظيم المالي، فإن لم تُعالَج هذه المطالبات في المقترَح، ولم تكن واضحة لبيان الموقف المالي للمدين، فقد يؤدي استقرارها وتحولها لأدوات تنفيذية لاحقًا والتنفيذ على أصول المدين منها إلى التأثير على التدفقات المالية اللازمة لتنفيذ الخطة والوفاء للدائنين في المواعيد الواردة فيها.
  • أن يُعد متعارضًا مع نظام الإفلاس وعباراته الصريحة الواردة في الفقرة الأولى من المادة (63) من نظام الإفلاس، ولا يُتصور أن تكون هذه العبارات لغوًا؛ لأن المنظم يُنَزَّه عن اللغو، كما أنه لا يُتصور القول بأن تقديم المطالبات المحتملة والموقوفة والآجلة قُصد منه أن يحققها الأمين ريثما يستقر الأداء أو يتحقق الشرط، فإذا ما تحقق ذلك ضمَّنها في القائمة. وهذا أيضًا أمر لا يتصور كونه مقصود النظام في ظل الآجال القصيرة المحددة لتلقي المطالبات ثم رفع قائمة المطالبات للمحكمة لاعتمادها.

وتضمين المطالبات المحتملة لا يعني أنه ينبغي على الأمين عند إجراء إعادة التنظيم المالي التساهل في تضمين مطالبات لم تثبت بأي دليل، حتى ولو كانت محل إقرار من المدين؛ فقد يلجأ المدين للتحايل بالاتفاق مع بعض مقدمي المطالبات لتضمين بعض المطالبات غير المدعومة بأي دليل؛ سعيًا للتأثير على اتجاهات التصويت أو لفرض مقترح لا يوافق عليه الدائنون الآخرون ولا يحقق مصلحتهم. ولهذا ينبغي استجلاء شبهة المطالبات الاحتيالية التي تتضمن المبالغة في قيمة المطالبة، أو تُقدَّم بالاتفاق مع المدين على ترتيبات تفضيلية سواء بزيادة قيمة الدَّين أو ترتيب ضمانات له بقصد الإضرار بباقي الدائنين.

وفي هذه الحالة ينبغي على الأمين النظر في احتمال وجود شبهة تحايل في تقديم مطالبة بالمخالفة للمادتين (201) فقرة (د)، و(202) فقرة (أ) من نظام الإفلاس، وإحالة الأمر للجهات المعنية عملًا بالمادة (206) من النظام، والجهة المعنية بالتحقيق في الجرائم والمخالفات وهي النيابة العامة عملًا بالمادة (208) من النظام.

إن فلسفة إجراء إعادة التنظيم المالي -الذي يتطلب معالجة شاملة للموقف المالي للمدين- تتطلب أن يتاح للأطراف المعنية بالإجراء خيارات واضحة ذات مصداقية وقابلة للتوقع، وأن تُستبعد المفاجآت التي تؤثر على فرص نجاح الخطة. وهذا الأمر يوجب أخذ المطالبات المحتملة والموقوفة والآجلة وغير المقدرة القيمة في الاعتبار، وتضمينها كمطالبات مقبولة لغرض التصويت متى ثبتت باقي عناصرها بدليل مقبول، وفي الوقت نفسه يتعين الموازنة مع الاعتبارات التي توجب التحوط لمنع إساءة استغلال الإجراء أو التلاعب في عملية التصويت.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار