إعداد مقترح إعادة التنظيم المالي، والتصويت، والتصديق عليه

ما الذي يجب أن يراقبه الدائنون؟

يمنح نظام الإفلاس السعودي الدائنين مجموعة من الحقوق الإجرائية والموضوعية لمراقبة مقترح إعادة التنظيم المالي في جميع مراحله، بما في ذلك إعداد المقترح، والتصويت، والتصديق عليه. تهدف هذه الحقوق إلى منع تلاعب المدين، والحد من أي استغلال محتمل للإجراء، وتسهيل تنفيذ خطة إعادة التنظيم المالي بسلاسة، مما يزيد من فرص نجاحها.

إعداد مقترح إعادة التنظيم المالي

يتم إعداد مقترح إعادة التنظيم المالي بشكل أساسي من قبل المدين، بمساعدة أمين إعادة التنظيم المالي، ضمن الإطار الزمني الذي تحدده المحكمة عند بدء الإجراء. وباعتباره الطرف الأكثر دراية بوضعه المالي والتجاري والاقتصادي، فإن المدين هو الأقدر على تحديد نوع إعادة الهيكلة المطلوبة، سواء كانت إعادة هيكلة رأس المال، أو إعادة هيكلة الديون، أو مزيجًا من الاثنين. وفي حالة إعادة هيكلة الديون، يتعين على المدين اختيار النهج الأنسب، مثل تمديد آجال السداد، أو تخفيض الدين، أو تحويل الدين إلى حقوق ملكية.

تتمثل مساعدة أمين الإفلاس في ضمان امتثال مقترح إعادة التنظيم المالي لأحكام نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية، والتأكد من سلامته. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأمين تقديم تقرير إلى المحكمة يقيّم فيه مدى رجحان قبول المقترح من قبل الدائنين وإمكانية تنفيذه. كما يجوز للأمين أن يطلب من المحكمة إدراج بند في المقترح يسمح بمبادلة الضمان المقدم لدائن مضمون إذا كان ذلك ضروريًا لتنفيذ المقترح، بشرط أن يضمن هذا البند حصول الدائن على ضمان بديل مكافئ للضمان الأصلي[1].

ليس للدائنين دور في مرحلة إعداد مقترح إعادة التنظيم المالي، ومع ذلك، إذا تم تشكيل لجنة للدائنين، فإن لها الحق في إبداء رأيها في مرحلة إعداد المقترح أو عند تعديل خطة إعادة التنظيم المالي[2]. ويمكن تشكيل لجنة الدائنين بقرار من المحكمة إذا رأت ذلك مناسبًا، إما بناءً على طلب أمين الإفلاس، أو مجموعة من الدائنين الذين تمثل ديونهم ما لا يقل عن 50٪ من إجمالي الدين، أو بمبادرة من المحكمة ذاتها[3]. تجدر الإشارة إلى أن لجنة الدائنين لا تشمل جميع الدائنين، ويتم اتخاذ قراراتها بأغلبية بسيطة، حيث يكون لكل عضو صوت متساوٍ دون احتساب الأصوات بناءً على قيمة دين كل عضو. وعلى الرغم من أن رأي اللجنة بشأن مقترح إعادة التنظيم المالي لا يُعتبر تصويتًا رسميًا ولا يحمل صفة الإلزام، إلا أنه يوفر فرصة قيمة لتقييم احتمالية الموافقة على المقترح خلال التصويت الرسمي، بالإضافة إلى ذلك، يتيح رأي اللجنة تحديد مخاوف الدائنين والمجالات المحتملة لتحسين المقترح.

التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي

لكي يكون للدائن الحق في التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، يجب استيفاء شرطين:

  1. أن يكون للدائن مطالبة مقبولة ضمن قائمة المطالبات المعتمدة من المحكمة.
  2. أن يكون للمقترح تأثير على الحقوق القانونية أو التعاقدية للدائن[4].

يعد تقديم المطالبة ضمن المهلة الزمنية التي يحددها الأمين أمرًا بالغ الأهمية لتجنب فقدان حق التصويت، مع كون المقترح له تأثير على حقوق الدائن، ومع ذلك، يجب على الدائنين تقييم احتمالات اقتضاء حقوقهم خارج إطار إجراء إعادة التنظيم المالي من خلال وسائل قانونية أخرى قبل اتخاذ أي قرار[5].

يجب على المدين تبليغ الدائنين الذين تمت الموافقة على مطالباتهم في قائمة المطالبات المعتمدة من المحكمة، وذلك قبل 21 يومًا على الأقل من تاريخ التصويت على المقترح، مع تحديد تاريخ ووقت التصويت، وإرفاق نسخة من المقترح مع التبليغ[6].

رغم أن المدين هو المسؤول عن تبليغ الدائنين بموعد التصويت على المقترح، إلا أن الاجتماع نفسه يقوده الأمين، ويمكن عقد الاجتماع حضوريًا أو افتراضيًا، بشرط أن تضمن طريقة الاجتماع مشاركة فعالة وتسجيل الأصوات بدقة[7]، ويجب على الأمين إعداد محضر اجتماع التصويت، يتضمن احتساب الأصوات، ووزن كل صوت، والنتائج النهائية للتصويت، ثم إخطار الدائنين بنتائج التصويت وإرسالها إلى المحكمة المختصة[8].

يجب على الدائنين التحقق مع الأمين لضمان عدم وجود أخطاء في احتساب نتائج التصويت، خاصة فيما يتعلق بالنقاط التالية:

  1. دقة احتساب الأصوات ونسبة كل صوت.
  2. ما إذا كانت النسبة المطلوبة لاعتماد تصويت فئة معينة من الدائنين قد تحققت (ثلثي قيمة الديون للمصوتين).
  3. ما إذا كانت النسبة المطلوبة من الدائنين غير ذوي العلاقة – إن وجدت – قد صوتت لصالح المقترح (أكثر من 50 ٪)[9].

على الدائنين تنبيه أمين الإفلاس فورًا في حال وجود أي خطأ في نتائج التصويت، لتجنب تقديم نتائج غير صحيحة للمحكمة.

التصديق على مقترح إعادة التنظيم المالي

إذا تمت الموافقة على المقترح من خلال التصويت، يجب على أمين الإفلاس تقديم طلب إلى المحكمة للتصديق عليه، كما يجب عليه تبليغ الدائنين بهذا الطلب، وتبليغهم بتاريخ جلسة المحكمة التي سيتم خلالها النظر في التصديق.

تصدق المحكمة على المقترح بعد التحقق من كونه عادلًا، ومقبولًا من جميع فئات الدائنين والملاك، ومع ذلك، يمكن للمحكمة فرض التصديق على المقترح (cramdown) رغم اعتراض بعض الفئات، إذا توفرت الشروط التالية:

 

  1. أن يكون المقترح عادلًا.
  2. أن يكون قد حصل على قبول من فئة واحدة على الأقل من الدائنين.
  3. أن يكون قد تم التصويت لصالحه بنسبة 50٪ من قيمة ديون المصوتين من مختلف فئات الدائنين.
  4. أن تقتنع المحكمة بأن المقترح يصب في مصلحة غالبية الدائنين[10].

نظرًا للصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها المحكمة في التصديق على مقترح إعادة التنظيم المالي، يجب على الدائنين ممارسة دور رقابي لضمان عدم استغلال الإجراء من قبل المدين، أو عدم دقة عرض الأمور من قبل الأمين فيما يتعلق بتأثيره على الدائنين والمدين.

يجوز لأي دائن صوت ضد المقترح حضور جلسة التصديق، والاعتراض على التصديق بحجة أن المقترح غير عادل ويضر بمصالحه[11]، ومن الأسباب التي يمكن الاستناد إليها للاعتراض:

  1. عدم مراعاة المدين أو الأمين للإجراءات القانونية عند دعوة الدائنين للتصويت أو أثناء عملية التصويت، خاصة في الحالات التالية: إذا لم يتم إرسال التبليغ المناسب، أو إذا لم يكن التبليغ مرفقًا به نسخة من المقترح، أو إذا كان مكان التصويت لا يتيح مشاركة فعالة للدائنين أو لا يسمح بتسجيل الأصوات بدقة، أو إذا حدث خطأ أو إجراء غير صحيح في جمع أو حساب الأصوات، أو إذا لم يتم تبليغ الدائنين بنتيجة التصويت[12].
  2. التصنيف غير الصحيح للدائنين بالمقترح، حيث توجب اللائحة التنفيذية إلى أن المقترح يجب أن يصنف الدائنين وفقًا للمعايير التالية: (أ) طبيعة ودرجة تشابه حقوقهم، (ب) تأثير المقترح على حقوقهم[13]. قد تُستخدم بعض الاستراتيجيات في تصنيف الدائنين بشكل غير عادل، مثل التلاعب بمدى الإنقاص الواقع على بعض الدائنين لضمان تصويتهم لصالح المقترح[14]، على سبيل المثال، قد يتضمن المقترح دفع جزء كبير من مستحقات أحد الدائنين، ولكن دون سدادها بالكامل، لضمان تصويته بالموافقة، وهو ما يُعرف بـ “الإنقاص المصطنع ” (Artificial Impairment)، يجب على الدائن مراقبة تصنيف الدائنين للتأكد من أنه تم بشكل عادل وسليم، كما يحق له الاعتراض أمام المحكمة في حال وجود أي تصنيف غير قانوني أو غير صحيح للدائنين.
  3. عدم تضمين المقترح إفصاحًا ماليًا واضحًا وكاملًا يمكّن الدائنين من تقييم الوضع المالي والاقتصادي للمدين بشكل دقيق، إذ أن المقترح يجب أن يتضمن إفصاحًا ماليًا كاملًا وواضحًا يمكّن الدائنين من تقييم الوضع المالي والاقتصادي للمدين، وكذلك تقييم البدائل الأخرى المتاحة لهم مقارنة بحجم الضرر الذي قد يلحق بهم بموجب مقترح إعادة التنظيم المالي[15]، حيث تنص اللائحة التنفيذية على ضرورة تضمين المقترح مجموعة من المعلومات التي تغطي جميع الجوانب المتعلقة بالوضع المالي الحالي والمستقبلي للمدين، بما في ذلك أصوله، وديونه، والمطالبات المعلقة والمحتملة التي رفعها المدين أو رُفعت ضده، بالإضافة إلى إجراءات الإفلاس عبر الحدود القائمة أو المحتملة[16].

من شأن الإفصاح المالي الواضح والكامل أن يُمكّن الدائنين من تقييم ما يلي:

  • ما إذا كانت التسويات المقترحة تحترم قاعدة تحقيق مصلحة الدائنين الفضلى، حيث يجب على المدين اعتماد أساليب إعادة هيكلة الدين التي تمكنه من تحقيق هدفه مع أقل تأثير ممكن على الدائنين.
    ب. سيساعد ذلك الدائنين على تقييم البدائل الأخرى لاسترداد ديونهم من خلال تطبيق تحليل التصفية افتراضي[17]، ومقارنة ما يمكن استرداده من حقوقهم على فرض تصفية المدين لحقوقهم مع نسبة الإنقاص المحددة في مقترح إجراء إعادة التنظيم المالي.
  1. عدم تحقيق توازن عادل بين الحفاظ على الحقوق الحالية للدائنين، وتوزيع الأعباء، والحقوق أو الضمانات الجديدة المقدمة للدائنين المختلفين[18].
  2. عدم الإفصاح الصحيح عن الدائنين ذوي العلاقة يعد من الأسباب التي يمكن الاستناد إليها في الاعتراض على التصديق على المقترح، لأن عدم الإفصاح الصحيح عن الدائنين ذوي العلاقة مما قد يؤثر على نتيجة التصويت، ويؤثر بشكل سلبي على أصوات الدائنين غير ذوي العلاقة.
  3. للدائن أيضًا الاعتراض أمام المحكمة في حال وجود أي محاولة لإيجاد ديون غير مشروعة. قد يحدث ذلك إذا قام المدين بترتيبات احتيالية مع أطراف ثالثة من خلال إنشاء ديون وهمية، أو الاعتراف بمطالبات غير حقيقية، أو تضخيم قيمة بعض الديون لضمان إدراجها في قائمة المطالبات. من شأن هذه الأفعال تمكين تلك الأطراف من التصويت على المقترح، مما يؤدي إلى التلاعب في عملية التصويت والإضرار بالدائنين الشرعيين. ومن الجدير بالذكر أن هذه الممارسة تُعد جريمة بموجب قانون الإفلاس[19].

يجوز للدائن لفت انتباه المحكمة إلى هذه المسألة في حال وقوع مثل هذا السلوك غير القانوني، ومن خلال مراجعة قائمة الدائنين المعتمدة، يمكن للدائن تحديد أي مطالبات مشبوهة قد تشير إلى نشاط احتيالي، وبموجب نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية، يحق للدائنين الاطلاع على قائمة المطالبات، مما يمكنهم من اكتشاف أي مخالفات والاعتراض عليها[20].

ختامًا فإن المشاركة الفعالة للدائنين في مختلف مراحل إعداد مقترح إعادة التنظيم المالي، والتصويت، والتصديق عليه لا تقتصر أهميتها على حماية حقوقهم فحسب، بل تسهم أيضًا في الحفاظ على نزاهة الإجراء وتعزيز فرص نجاح إعادة التنظيم المالي.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار

 

[1] الفقرة الرابعة من المادة (75) من نظام الإفلاس السعودي.

[2]  الفقرة (1/ج) من المادة (26) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس السعودي.

[3] الفقرة الأولى من المادة (24) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس السعودي.

[4] الفقرة الأولى من المادة (76) من نظام الإفلاس السعودي.

[5] Richard E. Lear, Proof of Claim: To File or Not to File.., Holland & Knight Newsletter, February 2009.

[6] الفقرة الأولى من المادة (77) من نظام الإفلاس السعودي، والفقرة الثانية من المادة (45) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس السعودي.

[7]  المادة الثامنة من قواعد إدارة الاجتماعات في إجراءات الإفلاس الصادرة بقرار وزير التجارة والاستثمار رقم 13 بتاريخ 18/1/1444 هـ.

[8] الفقرة الأولى من المادة (12) من قواعد إدارة الاجتماعات في إجراءات الإفلاس، والفقرة الرابعة من المادة (79) من نظام الإفلاس السعودي.

[9] الفقرة الثانية من المادة (79) من نظام الإفلاس السعودي.

[10] الفقرة الثانية من المادة (80) من نظام الإفلاس السعودي.

[11] الفقرة الرابعة من المادة (80) من نظام الإفلاس السعودي.

[12] الفقرة (أ) من المادة (35) من نظام الإفلاس السعودي.

[13] الفقرة (ف) من المادة (16) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس السعودي.

[14] Ben Rosenblum & Mark G. Douglas, First Impression: The Sixth Circuit Weigh in on Artificial Impairment under a Chapter 11 Plan, Jones Day Publication, March/April 2016.

[15] الفقرة (ب) من المادة (35) من نظام الإفلاس السعودي.

[16]الفقرة (ع) من المادة (16) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس.

[17] A simplified Approach to the Best Interest Test in Complex Bankruptcies, American Bankruptcy Institute Journal, April 2003.

[18] الفقرة (ج) من المادة (35) من نظام الإفلاس السعودي.

[19] الفقرتان (أ)، (ب) من المادة (202) من نظام الإفلاس السعودي.

[20] الفقرة الرابعة من المادة (68) من نظام الإفلاس السعودي، والمادة (10) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس.

التحكيم في المنازعات المتصلة بالوقف

تحديد المشكلة وخلفيتها

تمتلك الأوقاف أصولًا تديرها وتستثمرها في مختلف أنواع الاستثمار، ويشمل ذلك تنميتها وحفظها وإيجارها وإصلاحها، ولناظر الوقف إجراء التصرفات التي تحقق الغبطة والمصلحة لعين الوقف وإيراده، وتخضع أعمال النظار لإشراف الهيئة العامة للأوقاف التي ينظمها المرسوم الملكي رقم /11م وتاريخ 1437/2/26هـ.

وقد تقتضي المعاملات المختلفة التي تباشرها الأوقاف حصول نزاعات تتصل بإدارتها لأموال الوقف وما قد تبرمه من عقود مختلفة للبيع والشراء والإيجار، وغير ذلك من أعمال التصرف والإدارة، وقد درجت بعض الأوقاف على النص في عقودها على تسوية المنازعات المحتملة الناشئة عن هذه العقود بطريق التحكيم.

ويُلحظ أن نظام التحكيم قد استبعد من نطاق تطبيقه منازعات الأحوال الشخصية وما لا يجوز الصلح فيه.

وقد يكون الوقف عامًّا وهو المشروط على أوجه البر، أو أهليًّا إذا كان مشروطًا على ذرية أو أقارب، أو مشتركًا وهو الذي يشترك في شرطه أكثر من نوع من أنواع الوقف، وذلك على نحو ما فصلت المادة الأولى من نظام الهيئة العامة للأوقاف.

وتشرف الهيئة العامة للأوقاف على جميع الأوقاف العامة والخاصة والمشتركة، كما تشرف على أعمال النظار في حدود ما تقضي به الأنظمة([i])، وبما لا يخالف شروط الواقفين أو يدخل في أعمال النظارة، وقد تتولى الهيئة النظارة على الوقف إذا لم يعين الواقف شخصًا غير الهيئة ليتولى النظارة.

وقد تباينت الممارسات القضائية في المملكة بخصوص مدى جواز تسوية المنازعات المتصلة بإدارة الوقف بطريق التحكيم على نحو ما سيأتي تفصيله، ففي حين قضت بعض الأحكام بعدم جواز نظر الدعوى لوجود شرط تحكيم ذهبت أحكام أخرى لإبطال أحكام التحكيم انطلاقًا من اعتبار سائر المنازعات التي يدخل فيها الوقف مما يدخل في نطاق مسائل الأحوال الشخصية وما لا يجوز الصلح فيه.

من جهة أخرى عدت بعض الأحكام القضائية أن نظارة الوقف لا تملك أهلية إبرام اتفاق التحكيم.

ومما لا شك فيه أن عدم الاتساق بين الأحكام القضائية في هذا الصدد من شأنه أن يؤدي إلى عدم الوضوح واليقين القانوني بشأن المنازعات المتصلة بإدارة الوقف واستثمار أصوله بما يترتب عليه إنفاق أموال طائلة في إدارة هذه المنازعات بلا جدوى.

وتهدف هذه الورقة إلى عرض أبعاد المشكلة ومحاولة تأصيلها بتأمل مدى جواز التحكيم في المنازعات المتصلة بإدارة أموال الوقف والعقود التي يبرمها وأهلية ناظر الوقف لإبرام مثل هذه الاتفاقيات، بتناول النصوص والأحكام ذات الصلة وعرض بعض التطبيقات القضائية المقارنة.

مدى جواز التحكيم في المنازعات المتصلة بالوقف

تضمن نظام التحكيم (34/ م) وتاريخ 1433/5/2 ه في الفقرة الثانية من المادة الثانية منه النص على أنه لا تسري أحكام النظام على المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والمنازعات التي لا يجوز الصلح فيها.

تضمنت المادة (33) من نظام المرافعات الشرعية تحديد اختصاص محاكم الأحوال الشخصية، وقد أشارت في عدة فقرات منها إلى مسائل تتصل بالوقف، منها:

  • أشارت الفقرة الثانية إلى أن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية يشمل إثبات الوقف والوصية والنسب والغيبة والوفاة وحصر الورثة.
  • تضمنت الفقرة الثالثة أن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية يشمل الإرث وقسمة التركة بما فيها العقار إذا كان فيها نزاع، أو حصة وقف، أو وصية، أو قاصر، أو غائب.
  • تضمنت الفقرة الرابعة الإشارة إلى اختصاص محاكم الأحوال الشخصية بإثبات تعيين الأوصياء وإقامة الأولياء والنظار، والإذن لهم في التصرفات التي تستوجب إذن المحكمة، وعزلهم عند الاقتضاء.

وقد بينت اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية الاختصاص المكاني للمسائل المتصلة بإقامة النظار بأن يكون ذلك لدى المحكمة التي يقع في حدود ولايتها الوقف، فإن تعددت الأعيان كان الاختصاص للمحكمة التي يقع في حدود ولايتها أكثر أعيان الوقف.

ويُلحظ أن نظام الأحوال الشخصية الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم 73/ م وتاريخ 6/8/1443 هـ قد خلا من أحكام تتصل بالوقف.

ويثور التساؤل بشأن مدى اعتبار المنازعات المتعلقة بإدارة الوقف لأمواله من المنازعات المتصلة بالأحوال الشخصية التي استبعدها نظام التحكيم من نطاق سريانه.

وقد تباينت الممارسات القضائية للمحاكم السعودية فيما يتصل بجواز التحكيم في المنازعات المتصلة بالوقف، فقضت بعض المحاكم بعدم صحة شرط التحكيم الذي يتضمنه عقد إيجار مبرم بين الوقف وإحدى الشركات استنادًا إلى أن المنازعات المتصلة بالوقف تعد من مسائل الأحوال الشخصية([ii])، كما قضت محكمة استئناف الرياض ببطلان حكم تحكيم في منازعة بين الوقف وأحد الأشخاص تتصل بإدارة أعمال الوقف استنادًا إلى أن المنازعات المتصلة بالوقف من مسائل الأحوال الشخصية وفق نظام المرافعات الشرعية، وأن أعمال الوقف مما لا يجوز الصلح فيه وفق نص المادة الثانية من نظام التحكيم([iii]).

وفي حكم آخر ذهب القضاء لمنحى مغاير لما تقدم؛ إذ قضت المحكمة بعدم جواز نظر الدعوى استنادًا لوجود شرط تحكيم في عقد بيع مبرم بين الوقف وإحدى الشركات، ورفضت ما أبدي من دفاع مؤداه عدم جواز التحكيم في المنازعات المتصلة بالوقف([iv]).

وقد استقرت أحكام محكمة النقض المصرية على اعتبار أن استبعاد المسائل المتعلقة بأصل الوقف من اختصاص المحاكم الأهلية واختصاص المحاكم الشرعية بها -على نحو ما كانت تنص عليه لائحة ترتيب المحاكم الشرعية آنذاك([v])-يقتضي استبعاد كل مسألة متعلقة بعقد الوقف من ناحية صحته وبطلانه بما في ذلك تفسير أي عبارة من عبارات الوقف، أما دعاوى الحساب التي تقام على الناظر وكذلك دعوى إيجار أعيان الوقف فلا تعد من المسائل المتعلقة بأصل الوقف التي تختص بها المحاكم الشرعية بل تدخل في اختصاص المحاكم الأهلية([vi]).

كما قضي بأن النزاع في ملكية الواقف للأعيان الموقوفة أو في ردها إلى الوقف من مغتصبها لا تعد من المسائل المتعلقة بأصل الوقف ولا تختص بها المحاكم الشرعية بل تختص بها المحاكم الأهلية([vii]).

وقضي بأن دعوى المطالبة بحقوق مالية التي ترفع على ناظر الوقف بصفته مسؤولًا هي مطالبة بحق مالي تختص بها المحاكم المدنية دون غيرها، ولا تعد من المسائل المتعلقة بأصل الوقف، فلا تختص بها المحاكم الشرعية([viii]).

والذي يتضح من قراءة نصوص نظام المرافعات الشرعية أن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية بالمسائل المتصلة بالوقف ينحصر في الأمور المتعلقة بإثبات الوقف بما يشمل أي نزاع يتصل بحجة الوقف، من ناحية الصحة، أو البطلان، أو اللزوم، أو تفسيرها، وكذلك الأمور المتصلة بقسمة أعيان التركة إن كان فيها حصة وقف، ثم إثبات تعيين النظار وعزلهم والإذن لهم في التصرفات التي تستوجب إذن المحكمة.

ويُلحظ أن المحاكم العامة هي صاحبة الولاية العامة بموجب المادة (31) من نظام المرافعات الشرعية عدا ما نص النظام على خروجه عن ولايتها، وأن النصوص المتعلقة بالاختصاص مما لا يجوز التوسع بتفسيره أو القياس عليه، لما كان ذلك فإن البيِّن من نصوص نظام المرافعات الشرعية أنه ليس كل المنازعات المتصلة بالوقف أو التي يدخل فيها الوقف تعد من مسائل الأحوال الشخصية المستبعدة وفق نظام التحكيم، من جواز تسويتها بطريق التحكيم، بل فقط المسائل التي ورد النص عليها في المادة (33) من نظام المرافعات الشرعية دون غيرها، فلا يشمل ذلك إدارة أموال الوقف واستثمار أصوله.

أهلية الوقف للدخول في اتفاق تحكيم

تضمن نص الفقرة الأولى من المادة (10) من نظام التحكيم رقم 34/م وتاريخ 24/5/1433 هـ أنه لا يصح التحكيم إلا ممن يملك التصرف في حقوقه سواء كان شخصيًّا طبيعيًّا أو اعتباريًّا، وعليه يجب أن يبرم اتفاق التحكيم ممن له أهلية التصرف في حقوقه، فإن كان الاتفاق على التحكيم من قبل نائب عن الشخص الطبيعي أو ممثل للشخص الاعتباري أيًّا كان مصدر النيابة أو التمثيل، فيجب أن يكون لهذا النائب أو الممثل أهلية القيام بأعمال التصرف وليس فقط أعمال الإدارة، فإن كان يلزم حصول النائب على إذن من القضاء أو من أي جهة كان لازمًا لصحة شرط التحكيم أن يحصل على هذا الإذن قبل الاتفاق على التحكيم.

والمستقر عليه أن الوقف له شخصية اعتبارية يصح الادعاء منه وعليه، فمتى كانت دعوى بحق له أو دعوى بحق عليه صح في الحالتين إقامتها، وسماعها([ix]).

وعلى هذا النحو استقر عمل القضاء في القوانين المقارنة، فقد قضت محكمة النقض المصرية أن الوقف بأحكامه المقررة في الفقه الإسلامي هو في فقه القانون المدني شخص اعتباري تكاملت فيه مقومات الشخصية القانونية، والشخص الاعتباري كما أن له وجودًا افترضه القانون له إرادة مفترضة هي إرادة الشخص الطبيعي الذي يمثله([x]).

أما أهلية الوقف للصلح، فيُرى من الجانب الفقهي أنه ليس لناظر الوقف الصلح عن الوقف إلا فيما ظهر فيه حظُّ الوقف وغبطته في هذا الصلح، وهو ما يتحقق منه القضاء، وقد جرى العمل على ألا ينفذ الصلح في دعاوى الوقف إلا بعد تدقيقه من قبل القضاء، وتأسيسًا على ذلك لناظر الوقف التحكيم في دعاوى الوقف بإذن القضاء([xi]).

ويُلحظ أن النصوص النظامية المنظمة للوقف اشترطت في أعمال التصرف المتصلة بالوقف وفي بعض أعمال الإدارة الحصول على إذن المحكمة المختصة لإبرام هذه التصرفات، فقد نصت المادة (223) من نظام المرافعات الشرعية على أنه إذا اقتضت المصلحة بيع وقف عام أو استبداله أو نقله فليس لناظره أن يجري ذلك إلا بعد استئذان المحكمة المختصة، وأنه إذا اقتضت المصلحة التصرف في الوقف الأهلي ببيعه أو استبداله أو نقله أو رهنه أو الاقتراض له وتعميره أو شراء بدل منه أو تجزئته أو فرزه أو دمجه أو تأجيره مدة تزيد على عشر سنوات، أو المضاربة بماله فيما إذا كان الثمن لا يكفي لشراء البدل، فلناظر الوقف أن يجري هذه التصرفات باستئذان المحكمة المختصة، على أنه يلاحظ أنه إذا كانت الهيئة العامة للأوقاف هي المعينة ناظرة على الوقف، فإن لديها صلاحيات أوسع وفق نص المادة الخامسة من نظام الهيئة العامة للأوقاف رقم م/11 وتاريخ 1437 ه، وذلك استثناء مما ورد في نظام المرافعات الشرعية، وقد ورد هذا الاستثناء بنص المادة (25) من نظام الهيئة العامة للأوقاف.

الخلاصة والتوصيات

الذي يظهر من قراءة وتحليل النصوص المتقدمة ما يأتي:

  • أن أعمال إدارة أموال الوقف لا تعد من مسائل الأحوال الشخصية التي استبعدها نظام التحكيم السعودي من جواز تسوية المنازعات الناشئة عنها بطريق التحكيم، فما يعد من مسائل الأحوال الشخصية الذي تختص به محاكم الأحوال الشخصية قد ورد في نظام المرافعات الشرعية على سبيل الحصر بشموله مسائل إثبات الوقف، وقسمة التركة إن كان فيها حصة وقف، وإقامة النظار وعزلهم والإذن لهم في التصرفات التي تستوجب إذن المحكمة، وهو ما يدعمه ما استقر عليه العمل في القضاء المقارن.
  • ولا تستبعد المنازعات المتصلة بإدارة الوقف وما يبرمه من تعاقدات لاستثمار أمواله جواز تسويتها بطريق التحكيم وفق نظام التحكيم السعودي من وجه كونها مما لا يجوز الصلح فيه، فالصلح عن الوقف جائز فيما فيه حظ الوقف وغبطته وبإذن القضاء.
  • أما تسوية المنازعة التحكيمية بالصلح خلال إجراءات التحكيم، وإصدار هيئة التحكيم حكمًا يتضمن شروط التسوية وينهي الإجراءات وفق نص المادة (45) من نظام التحكيم، فلا بأس بذلك بشرط الحصول على إذن المحكمة المختصة.
  • ولا يدخل فيما تقدم أن يجري التحكيم مع اتفاق الأطراف على تفويض هيئة التحكيم بالصلح وفق نص الفقرة الثانية من المادة (38) من نظام التحكيم السعودي، فليس مؤدى التفويض بالصلح تسوية المنازعة وديًّا، بل تفويض هيئة التحكيم في أن تحكم وفق مبادئ العدالة والإنصاف، وبشرط عدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية.
  • أن اتفاق التحكيم من أعمال التصرف ويجب أن يحصل ناظر الوقف على إذن المحكمة لإبرام مثل هذا الاتفاق، سواء كان وقفًا عامًا، أو خاصًا، أو مشتركًا، ويلزم الحصول على إذن المحكمة، سواء كان اتفاق التحكيم سابقًا على المنازعة أو بعد حصول المنازعة، وأيًّا كان نوع العقد باعتبار أن اتفاق التحكيم في حد ذاته هو عمل من أعمال التصرف.

 

 تأسيسًا على التحليل السابق قد يوصى بالنظر في الآتي:

  • الأوقاف في صورتها المعاصرة صارت تدير وتستثمر أموالًا وأصولًا ضخمة وتدخل في معاملات متنوعة مع الغير، بما يجدر معه أن تدار منازعاتها بشكل يحقق اليقين القانوني لكل الأطراف للوقف ولمن يتعامل معه، فقد يؤدي غموض الإطار النظامي والممارسات القضائية المتصلة بالتحكيم في المنازعات التي تتصل بالمعاملات التي ينخرط فيها الوقف إلى خسارة الأموال في إدارة هذه النزاعات أو انصراف المتعاملين من الغير عن التعامل مع الوقف؛ لوجود هذه المخاطر القانونية وعدم القدرة على التوقع.
  • قد يكون من المناسب معالجة التناقض بين الأحكام بشأن مدى جواز التحكيم في المنازعات الناشئة عن العقود التي يبرمها الوقف في إدارة أمواله واستثمار أصوله، من خلال إصدار تعميم من المجلس الأعلى للقضاء أو عرض الأمر على المحكمة العليا لإصدار مبدأ يوحد الممارسة القضائية تحقيقًا لليقين القانون والاستقرار في المعاملات وحسن إدارة النزاعات في هذا الصدد، ويبين المحكمة المختصة بالإذن للمسؤول عن إدارة الوقف بالاتفاق على التحكيم لتسوية المنازعات القائمة أو المحتملة.
  • على ضوء ما يتقرر بشأن جواز تسوية المنازعات الناشئة عن العقود التي يبرمها الوقف في إدارة أمواله، ينبغي العمل على تطوير شروط نموذجية للتحكيم في العقود التي يبرمها الوقف تبين نطاق الأمور القابلة للتحكيم، وكيفية الحصول على الموافقات اللازمة لضمان صحة شرط التحكيم أو مشارطته.
  • يمكن أيضًا أن يطور دليل إرشادي للقائمين على إدارة الوقف يبين حدود ولايتهم وصلاحياتهم في إدارة المنازعات التي يكون الوقف طرفًا فيها، وما يلزم بشأنه الحصول على إذن المحكمة.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار

 

([i]) كان الاختصاص بالإشراف على الأوقاف الأهلية للهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين قبل أن ينقل هذا الاختصاص للهيئة العامة للأوقاف بموجب نظام الهيئة العامة للأوقاف الذي ألغى كل ما يتعارض معه من نصوص وردت في نظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين.

([ii]) قرار محكمة الاستئناف بمنطقة مكة المكرمة رقم 3799264 وتاريخ 24/3/1437 هـ في المعاملة رقم 37203338 بطلب تعيين محكم.

([iii]) حكم محكمة الاستئناف بمنطقة الرياض في القضية رقم 429000805 وتاريخ 8/8/1442هـ.

([iv]) حكم محكمة استئناف بمنطقة مكة المكرمة في الدعوى 33699557 وتاريخ 6/4/1434هـ.

([v]) ألغيت هذه اللائحة فيما بعد وأنشئت محاكم الأسرة واستبعد من اختصاصها المسائل المتعلقة بالوقف فصارت من اختصاص الدوائر المدنية.

([vi]) محكمة النقض المصرية طعن رقم 71 لسنة 4 مجموعة عمر، بتاريخ 16/5/1935.

([vii]) محكمة النقض المصرية طعن رقم 35 لسنة 13 ق، مجموعة عمر، جلسة 13/4/1944.

([viii]) محكمة النقض المصرية طعن رقم 3 لسنة 26 مكتب فني بتاريخ 14/6/1958.

([ix]) الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد بن سعد آل خنين، ضبط تصرفات نظار الأوقاف من قبل القضاء، ص 36.

([x]) محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 54 لسنة 17 مجموعة عمر بتاريخ 11/3/1948.

([xi]) الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد بن سعد آل خنين، المرجع السابق، الموضع نفسه.

 

 

 

 

تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس في إطار نظام الإفلاس السعودي

المقدمة

مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس أو Vis attractiva concursus   هو مبدأ ينص على أن جميع الدعاوى المرتبطة بإجراءات الإفلاس قد يتم وإحالتها إلى محكمة الإفلاس. وبعبارة أخرى، تقبل المحكمة التي افتتح إجراء الإفلاس الاختصاص الحصري للنظر في مطالبات الدائنين وأي نزاعات عرضية تتصل بإجراء الإفلاس المفتتح للمدين.

تكتسب دراسة مدى انطباق هذا المبدأ أهمية عملية كبيرة وتثير عدة تساؤلات، منها كيف يمكن التوفيق بين كفاءة وفعالية إجراءات الإفلاس وحق الأطراف في ضمانات المحاكمة العادلة؟ كيف يتم تطبيق هذا المبدأ في مختلف الدعاوى المرتبطة، لا سيما عند وجود اتفاق تحكيم؟ وأخيرًا، هل ينطبق هذا المبدأ في سياق حالات الإفلاس العابر للحدود؟

سيستعرض هذا المقال كيفية تطبيق هذا المبدأ في كل من أوروبا القارية، والولايات المتحدة، قبل تأمل تطبيقاته في المملكة العربية السعودية.

أوروبا
الكفاءة والإجراءات القانونية الواجبة: هل من الصعب التوفيق بينهما في إجراءات الإفلاس؟

يثير تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس تساؤلات حول مدى انسجامه مع حقوق الأطراف في ضمانات المحاكمة العادلة، فهذا المبدأ ينقل القضية من المحكمة التي تم تحديدها وفقًا للقانون الإجرائي المنطبق إلى محاكم الإفلاس، وقد يشكل هذا الاستثناء مفاجأة بالنسبة للأطراف المعنية، مما قد يؤثر على حقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة، أو يخل بحقهم في اللجوء لقاضيهم الطبيعي.

وقد تناولت محكمة العدل الأوروبية (ECJ) هذه المسألة وخلصت إلى أن تركيز جميع الدعاوى ذات الصلة المباشرة بإعسار منشأة معينة أمام محاكم الدولة العضو التي تملك الاختصاص لفتح إجراءات الإعسار يتماشى مع الهدف المتمثل في تحسين فعالية وكفاءة إجراءات الإعسار، كما رأت محكمة العدل الأوروبية أن ذلك ضروري لضمان حسن سير السوق الداخلية، ولتجنب الحوافز التي قد تدفع الأطراف إلى نقل الأصول أو الإجراءات القضائية من دولة عضو إلى أخرى بحثًا عن مركز قانوني أكثر ملاءمة فيما يطلق عليه التسوق القضائي [1] forum shopping.

نطاق المبدأ والأنواع المختلفة للدعاوى المرتبطة

تنص لائحة الاتحاد الأوروبي الجديدة بشأن إجراءات الإعسار على أن محاكم الدولة العضو التي تم فيها فتح إجراءات الإعسار تكون لها الولاية القضائية على أي دعوى تنشأ مباشرة عن إجراءات الإعسار وترتبط ارتباطًا وثيقًا بها، مثل دعاوى إلغاء التصرفات القانونية[2].

ولكي يتم تحديد ما إذا كانت الدعوى تنشأ مباشرة عن إجراءات الإعسار، تبنت محكمة العدل الأوروبية معيارًا حاسمًا لتحديد المجال الذي تندرج ضمنه الدعوى، وهذا المعيار لا يعتمد على السياق الإجرائي الذي تشكل الدعوى جزءًا منه، بل على الأساس القانوني للدعوى. ووفقًا لهذا النهج، يجب تحديد ما إذا كان الحق أو الالتزام الذي تقوم عليه الدعوى يستند إلى القواعد العادية للقانون المدني والتجاري، أم أنه يستند إلى قواعد استثنائية خاصة بإجراءات الإعسار[3].

وفي قضية أخرى، قيدت محكمة العدل الأوروبية تطبيق مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، حيث قضت المحكمة بأن دعوى التعويض عن المنافسة غير العادلة، التي يُتهم فيها المتنازل له عن جزء من نشاط تجاري تم شراؤه خلال إجراءات الإعسار بأنه قدَّم نفسه بشكل مضلل على أنه الموزع الحصري للمنتجات التي كان المدين يصنعها، لا تخضع لاختصاص المحكمة التي فتحت إجراءات الإعسار[4].

الولايات المتحدة الأمريكية

يُعد مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس مفهومًا مستمدًا من أنظمة القانون المدني، حيث يؤدي فتح إجراءات الإعسار إلى تركيز جميع الدعاوى والإجراءات القانونية ذات الصلة ضمن اختصاص المحكمة التي تنظر في قضية الإعسار، وهذا يعني أن جميع المسائل المتعلقة بذمة المدين المالية تندرج تحت اختصاص محكمة الإفلاس.

أما في الولايات المتحدة، التي تعمل وفقًا لنظام القانون العام، فإن هذا المبدأ بشكله التقليدي المعمول به في أنظمة القانون المدني لا يُطبق. ومع ذلك، فإن القانون الأميركي للإفلاس يتضمن إلى حد ما مبدأً مشابهًا من حيث المركزية فيما يعد تطبيقا على نحو ما لهذا المبدأ، وفيما يلي الجوانب ذات الصلة بكيفية عمل هذا المبدأ في الولايات المتحدة:

تعليق المطالبات التلقائي

عند تقديم طلب الإفلاس، يدخل التعليق التلقائي حيز التنفيذ فورًا، مما يؤدي إلى إيقاف معظم الإجراءات التي يقوم بها الدائنون ضد المدين أو ممتلكاته، ويهدف هذا التعليق إلى الحفاظ على أصول التفليسة وضمان توزيعها بشكل عادل بين الدائنين من خلال إجراءات الإفلاس، وتُحدد الإجراءات المشمولة بالتعليق بموجب المادة 362  من قانون الإفلاس، ومن الأمثلة الشائعة لهذه الإجراءات الاتصال بالمدين هاتفيًا أو بالبريد أو بأي وسيلة أخرى للمطالبة بالسداد، اتخاذ إجراءات لتحصيل الأموال أو التنفيذ على أصول المدين، أو استعادتها، ورفع أو متابعة الدعاوى القضائية أو إجراءات الحجز، وحجز أو اقتطاع جزء من راتب المدين.

في بعض الحالات، قد يكون التعليق التلقائي محدودًا لمدة 30 يومًا فقط، أو قد لا يكون موجودًا على الإطلاق، ولكن يحق للمدين التقدم بطلب إلى المحكمة لتمديد التعليق أو فرضه.

اختصاص محاكم الإفلاس

تتمتع محاكم الإفلاس الأميركية باختصاص شامل فيما يتعلق بجميع الأمور التي تخص تفليسة المدين، ويشمل ذلك الاختصاص بالنظر في جميع القضايا بموجب قانون الإفلاس. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك محاكم الإفلاس الاختصاص على جميع ممتلكات المدين، أينما كانت موجودة.

وقد نظرت محكمة الإفلاس في إمكانية محاسبة الدائنين الأجانب لانتهاكهم التعليق التلقائي، وذلك عندما قام هؤلاء الدائنون باحتجاز إحدى سفن المدين في محكمة بلجيكية لإجبار المدين على دفع ديون مستحقة قبل تقديم طلب الإفلاس، وعند النظر في هذه القضية، بدأت محكمة الإفلاس الأميركية بتحليل مسألة ما إذا كان بإمكانها ممارسة الاختصاص الشخصي على الدائنين الأجانب، وخلصت المحكمة فيما يتعلق بأحد الدائنين، وهو شركة Andrea Shipping (PTH) Ltd.، إلى أن المحكمة بوضوح لديها الاختصاص الشخصي على هذه الشركة، وذلك لأن الشركة قدمت مطالبة بإثبات الدين، وبالتالي وافقت ضمنيًا على اختصاص محكمة الإفلاس الأميركية[5].

تركيز النزاعات

على غرار مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، يسعى القانون الأميركي للإفلاس إلى تركيز النزاعات المتعلقة بتفليسة المدين من أجل تبسيط العملية وضمان البت في القضايا بشكل متسق، وتساعد هذه المركزية في إدارة أصول المدين بشكل فعال وكفء، ينص التعديل السابع لدستور الولايات المتحدة على أن للأطراف المتقاضية في المحاكم الفيدرالية حق المحاكمة أمام هيئة محلفين في القضايا المدنية، ومع ذلك، يمكن التنازل عن هذا الحق، وفي سياق قضايا الإفلاس، قد يحدث التنازل عن غير قصد نتيجة تقديم مطالبة بإثبات الدين[6].

خلاصة الأمر أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تتبنى صراحةً مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، إلا أن قانون الإفلاس الأميركي يتضمن آليات تحقق أثرًا مشابهًا، وتعمل هذه الآليات على تركيز إدارة المسائل المالية والنزاعات المتعلقة بالمدين ضمن نظام محاكم الإفلاس، ومن بين أبرز هذه الآليات التعليق التلقائي للمطالبات، الذي يوقف معظم الإجراءات التي يقوم بها الدائنون ضد أصول المدين بمجرد تقديم طلب الإفلاس، والاختصاص الشامل لمحاكم الإفلاس، حيث تتمتع هذه المحاكم بالولاية القضائية على جميع الأمور المتعلقة بتفليسة المدين، حيث تضمن هذه المركزية البت الفعال والمتسق في المطالبات والنزاعات، بما يعكس الهدف الأساسي لمبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس في أنظمة القانون المدني.

المملكة العربية السعودية

لا ينص النظام القانوني السعودي للإفلاس صراحةً على مبدأ القوة الجاذبة لإجراءات الإفلاس، ومع ذلك، فإن بعض الإجراءات الواردة في النظام تحقق آثارًا مماثلة لهذا المبدأ. ومن بين هذه الإجراءات تعليق المطالبات الذي يؤدي إلى تعليق جميع الدعاوى وإجراءات التنفيذ ضد المدين أو أصوله، والاختصاص الشامل للمحاكم التجارية التي تنظر في قضايا الإفلاس، حيث تمتلك هذه المحاكم صلاحية البت في مطالبات الدائنين بغض النظر عن مصدرها.

تعليق المطالبات

يتضمن نظام الإفلاس السعودي فترة تعليق خلال كل من إجراءات إعادة التنظيم المالي وإجراءات التصفية، ففي إجراء إعادة التنظيم المالي تمتد فترة التعليق 180 يومًا من تاريخ تقديم الطلب، يمكن للمحكمة وفق سلطتها التقديرية أن تقرر تمديدها لمدة إضافية تصل إلى 180 يومًا، تبدأ فترة التعليق عند تقديم الطلب، ولكن يمكن إنهاؤها مبكرًا إذا وافقت المحكمة على خطة إعادة التنظيم المالي أو قررت إنهاء الإجراءات، أما في إجراءات التصفية، فإن تعليق المطالبات يبدأ عند تقديم طلب التصفية، ويبقى ساريًا حتى إنهاء إجراء التصفية.

خلال فترة التعليق، لا يمكن بدء أي دعوى أو مطالبة أو إجراء تنفيذ ضد المدين، أو أصول التفليسة، أو أي ضامن للمدين. ويعد هذا التعليق ملزمًا لجميع جهات التقاضي المختصة بالنظر في مثل هذه الدعاوى أو الإجراءات، وتشكل فترة التعليق وقفًا قانونيًا ملزمًا للحق في مطالبة المدين أو التفليسة بالديون، كما أن أي دعوى أو إجراء تنفيذ يُتخذ خلال هذه الفترة يُعتبر باطلًا ومنعدم الأثر، علاوة على ذلك، تمتلك المحكمة التجارية سلطة استرداد أي أصول تم التصرف بها بالمخالفة لقيود فترة التعليق.

اختصاص المحاكم التجارية

بموجب نظام الإفلاس السعودي، يتعين على الدائنين الذين تسبق ديونهم افتتاح إجراءات الإفلاس تقديم مطالباتهم إلى أمين الإفلاس، وذلك في كل من إجراءات إعادة التنظيم المالي والتصفية، وبعد استلام وفحص أدلة المطالبات، يقوم الأمين بإعداد قائمة بالمطالبات، والتي يجب تقديمها للمحكمة لاعتمادها

بموجب نظام الإفلاس السعودي، يكون للقضاء التجاري اختصاص شامل بنظر المطالبات التي قد تندرج في الأصل ضمن اختصاص محاكم أو هيئات أخرى. وهذا يعني أن اختصاصه يشمل النظر في المطالبات العمالية التي تندرج بحسب الأصل ضمن اختصاص المحكمة العمالية، أو المطالبات بالنفقة التي تخضع في الأصل لاختصاص محاكم الأحوال الشخصية، والمطالبات المصرفية التي تنظر فيها لجنة الفصل في المنازعات المصرفية، فكل هذه المطالبات يمكن أن تدخل جميعها ضمن اختصاص المحكمة التجارية في سياق تقديم واعتماد قائمة المطالبات في إجراءات الإفلاس.

أثر شرط التحكيم في قضايا الإفلاس

حتى في حالة وجود شرط تحكيم مسبق، فإن تقديم مطالبة إلى المحكمة التجارية في سياق إجراءات الإفلاس يُعتبر بمثابة تنازل من الدائن عن شرط التحكيم المتفق عليه مسبقًا، بما يعطي المحكمة التجارية الاختصاص بالنظر في المطالبة وقبولها أو رفضها.

عواقب عدم تقديم المطالبة إلى المحكمة التجارية

إذا اختار الدائن عدم تقديم مطالبته إلى المحكمة التجارية وانتظر انتهاء فترة التعليق لتقديم المطالبة إلى الجهة القضائية المختصة أصلًا، فقد يترتب على ذلك عدة عواقب:

  1. في إجراءات إعادة التنظيم المالي يفقد الدائن حقه في التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، وبالتالي لن يكون له أي تأثير على المقترح، حتى لو تضمن المقترح أي تعديل أو إنقاص في دينه، علاوة على أن الدائن سيفقد حقه في الاعتراض على تصديق المحكمة على المقترح.
  2. في إجراءات التصفية قد يفوّت الدائن فرصته في الحصول على نصيبه من الأصول المصفاة عند توزيعها.
تركيز النزاعات

يتضمن نظام الإفلاس السعودي عدة أمثلة تعكس نهجه المركزي في التعامل مع النزاعات، ومن أبرزها:

  1. ينص النظام على أن أي طلب لافتتاح إجراءات إفلاس تتعلق بكيان منظم يجب أن يُسبق بموافقة الجهة المختصة المشرفة على أنشطة هذا الكيان، ومن الجدير بالذكر أن النظام يمنح المحكمة التجارية اختصاص النظر في النزاعات الناشئة عن قرارات هذه الجهات المختصة، حتى لو كانت جهات إدارية، والتي عادةً ما تندرج ضمن اختصاص ديوان المظالم كجهة قضاء إداري.
  2. وفقًا للمادة 6 من النظام، تتمتع المحكمة التجارية بسلطة الإشراف على تنفيذ قراراتها وأحكامها، وكذلك البت في أي نزاعات قد تنشأ عن إجراءات التنفيذ.
  3. الولاية القضائية الجزائية في قضايا الإفلاس، حيث تمنح المادة 208 من النظام المحكمة التجارية الاختصاص الجزائي للنظر في القضايا ذات الصلة بالإفلاس، بالإضافة إلى فرض العقوبات عند الاقتضاء.
  4. نظر دعاوى المدين ضد الأطراف الأخرى، حيث إنه وفقًا للمادة 3 من القواعد المنظمة لإجراءات قضايا الإفلاس في المحاكم التجارية، تتمتع المحكمة التجارية بصلاحية الفصل في دعاوى المدين ضد الأطراف الأخرى الناتجة عن إجراءات الإفلاس.
الخاتمة

تعد القوة الجاذبة لاختصاص محاكم الإفلاس عنصرًا محوريًا في تحقيق تسوية ناجحة لحالات الإعسار، فمن خلال النهج المركزي في إدارة المطالبات المرتبطة بالإفلاس، يمكن تحقيق إدارة فعالة للعدالة، ومنع حالات التلاعب وإساءة استخدام الاختصاص أو ما يطلق عليه التسوق القضائي forum shopping، وحماية الإجراءات من أي إساءة استخدام، تزويد إجراءات الإفلاس بالأدوات اللازمة لإعادة التنظيم المالي أو التصفية بشكل فعّال.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار

 

 

[1] ECJ judgement of 12 February 2009, Christopher Seagon v Deko Marty Belgium NV., Case C-339/07, European Court Reports 2009 1-00767.

[2] Article (6), Paragraph (1) of the European Union Regulations on Insolvency Proceedings of 20 May 2015.

[3][3] ECJ judgment of 4 September 2014, Nickel & Goeldner Spedition v Kintra UAB, Case C-157/13.

[4] ECJ judgement of 9 November 2017, Tünkers France, Tünkers Maschinenbau GmbH, Case C-641/16.

[5] United States Bankruptcy Court, M.D. Florida, Bankruptcy No. 95-10453-8P1. Adv. No. 97-365, March 12, 1997.

[6] Richard E. Lear, proof of claim: To File, or Not to File…, Holland & Knight Newsletter, February 2009.

 

إدارة تدفق الدعاوى نحو استراتيجية تحقيق عدالة ناجزة

تحدي إدارة تدفق الدعاوى

تضمنت الرسالة الشهيرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- عندما ولاه القضاء، والتي عرفت لاحقًا بدستور القضاء، قوله(1): “ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته حقه، وإن أعجزه ذلك، استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء”.

ويشير هذا الجانب من الرسالة إلى أن الدعوى متى صارت صالحة للحكم فيها وجب على القاضي أن يحكم فيها فورًا دون تأخير، ذلك أنه من حق الخصوم الإمهال لتحضير دفاعهم، إذ قد تكون الحجج والبينات التي يستندون إليها غائبة، فإن عجز المدعي عن إثبات دعواه بعد أن مُكن من تحضير دفاعه وظهر للقاضي العناد والمدافعة، لم يضرب له أمدًا بل استحل عليه القضية، وذلك من تمام العدل(2).

وبذلك يرسي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في هذه الرسالة مبدأ العدالة الناجزة، والتي تنبع من أن كل نزاع لا بد أن يكون له حد حتى تستقر المراكز القانونية للأفراد ويتحقق اليقين القانوني مع ضرورة إتاحة الفرصة الكافية لأطراف النزاع لعرض أدلتهم وحججهم القانونية والواقعية والاستماع لدفاعهم.

ويحقق تبني نظام جيد لإدارة العدالة وإدارة أعمال المحاكم فوائد جمة، ذلك أن تحسين آلية تداول الدعاوى يؤدي إلى تقليل الوقت اللازم لنظر كل دعوى وزيادة إنتاجية الجهاز القضائي. ولا يعد تبني نظام جيد لإدارة الدعاوى لازمًا فقط في الأنظمة القضائية التي تعاني من زيادة عبء القضايا وتأخير الفصل فيها أو تراكمها، بل إن إدارة الدعاوى بشكل جيد من خلال الاستخدام الأمثل لموارد المحاكم، ضروري حتى لو كان عبء القضايا معقولًا، فمن شأنه تيسير أعمال القضاة وموظفي المحاكم والمتقاضين والمحامين، وهو ما ينعكس إيجابًا بتعزيز الثقة في النظام القضائي.

تهدف هذه الورقة لعرض الأفكار الرئيسة بشأن الاستراتيجيات والبرامج المختلفة التي تتبناها الأنظمة القضائية للتعامل مع عبء الدعاوى، بهدف الفصل فيها وإنجازها في وقت مناسب مع مراعاة الاعتبارات والغايات الأخرى التي تحيط بالعمل القضائي، وقد تستند هذه البرامج لتشريعات، أو للوائح داخلية أو لتنظيم إداري للعمل، مع إبراز أفضل الممارسات في هذا الصدد.

وتتنوع الاستراتيجيات التي تتبناها الأنظمة القضائية لتقليل التأخير في نظر الدعاوى إلا أنها تدور جميعها حول ثلاث طوائف؛ أولها تطوير إجراءات إدارة النزاع بما في ذلك منع النزاع أو حله من خلال بدائل فض النزاعات، وثانيها تطوير تنظيم المحاكم، وأخيرًا تطوير الموارد البشرية والمالية اللازمة للعمل القضائي(3).

وتركز هذه الورقة على استراتيجيات ومناهج إدارة تدفق الدعاوى، والتحكم في عبئها.

سياسات التعامل مع عبء الدعاوى

الخطوة الأولى للإدارة الجيدة لتدفق الدعاوى هو فهم عبء الدعاوى الواردة كمدخل لتبني سياسة جيدة للتعامل معه، أو حسن إدارة عبء الدعاوى بما من شأنه تخصيص الموارد البشرية والمالية اللازمة للتعامل معه، وفي الممارسة توجد سياسات متنوعة للتعامل مع عبء الدعاوى والتحكم فيه، تشمل:

  • التوقع والمراقبة، فيجب أن يتوافر للمحكمة القدرة على توقع عبء الدعاوى بها بما يساعد على فهم عبء العمل المتوقع، وتخصيص الموارد اللازمة لإنجازه بشكل جيد، ويمكن قياس هذا العبء من خلال دراسة البيانات التاريخية، وقياس عبء الدعاوى بالإضافة لوزنها. وفي هولندا على سبيل المثال يتم استخدام نموذج يطلق عليه نموذج Lamicie يستخدم لاحتساب عبء العمل على القضاة وإداريي المحاكم من ناحية الوقت الذي يحتاجه القضاة للتعامل مع الدعاوى، وهذا النموذج يتضمن تصنيف الدعاوى إلى تسع وأربعين طائفة لكل منها وزن محدد ويتم مراجعته بشكل دوري استنادًا إلى الدراسات المتعلقة بإدارة الوقت، أما في أسبانيا فيستخدم نموذج العمل Modulos de trabajo الذي يوضح معدل الوقت الذي سيكرسه القاضي للتعامل مع مختلف أنواع الدعاوى، وهو مؤسس أيضًا على دراسات تتصل بوقت المحكمة، والجدير بالذكر أن جميع الأبحاث المتصلة بتقدير الوقت الذي يتطلبه عمل المحكمة يجب أن تكون محلًّا للمراجعة الدورية(4).
  • تقليل عبء الدعاوى، وذلك من خلال تشجيع بدائل فض المنازعات، مثل الوساطة والتوفيق والتقييم الحيادي المبكر والتحكيم، بما يقلل عبء العمل بالمحاكم، وقد يكون ذلك من خلال تبني برامج بدائل تسوية للمنازعات ملحقة بالمحاكم وتحت إشرافها كما عملت عليه بعض الدول مثل سلوفينيا وكرواتيا، فضلًا عن محاكم العديد من الولايات الأمريكية. وهناك أدوات أخرى لتقليل عبء الدعاوى، وذلك بما لا يخل بمبدأ الحق في وسيلة انتصاف فاعلة، ومن بين هذه الأدوات استبعاد الدعاوى صغيرة الحجم من نطاق الاستئناف واعتبار الأحكام الصادرة فيها انتهائية، وكذلك تبني إجراءات لمنع إساءة استخدام الحق في الاستئناف مثل إعطاء الحق لمحكمة الاستئناف في استبعاد الدعاوى ظاهرة فساد التأسيس Manifestly ill founded والتي يتبين أنها كذلك من خلال فحص ظاهر الأوراق، أو فرض جزاءات في حالة التعسف في استخدام حق الطعن مثل تغريم الطاعن، ففي النرويج على سبيل المثال تفحص دائرة من ثلاثة قضاة بمحكمة الاستئناف فحصًا أوليًّا للطعون المقدمة خلال يومين أو ثلاثة من قيد الاستئناف، فإذا ظهر لها أن الاستئناف يبدو بجلاء أنه غير ناجح لفساد تأسيسه يتم استبعاده بقرار نهائي ولا يحال إلى دائرة استماع بمحكمة الاستئناف.
  • ومن بين وسائل تقليل عبء الدعاوى، العدالة الجزائية التصالحية، بإعطاء السلطة التقديرية للادعاء العام في حفظ الدعاوى وعدم إحالتها في حالة التصالح بين المتهم والمجني عليه أو بين سلطة الادعاء والمتهم في الدعاوى البسيطة كما يجري عليه العمل في العديد من الأنظمة القضائية.
  • التوزيع والإسناد، وتبني نظام لإسناد الدعاوى يتسم بالمرونة يعد من بين السياسات الداعمة لحسن إدارة عبء الدعاوى، وذلك من خلال إعادة توزيع عبء الدعاوى أو دعم القضاة لزملائهم في حالة المرض أو الإجازة السنوية أو غيرها من الأسباب، ويراعى أن يتضمن هذا النظام الاستخدام الأمثل لموارد المحكمة البشرية والمالية، ويكفل تكافؤ الفرص بين الدعاوى، ويحول دون إمكانية التلاعب من خلال السعي لإسناد الدعوى لقاض بعينه فيما يعرف بالتسوق القضائي، كما يتضمن توازنًا في عبء الدعاوى بين القضاة، ويوضح نطاق وحدود المسئولية في كل مرحلة من مراحل نظر الدعوى، مع وضع آلية للرقابة تكفل أن يضطلع كل طرف بمسئولياته(5).

وعلى سبيل المثال في فرنسا يخصص عدد من القضاة يعملون في معاونة رئيس المحكمة للحلول مؤقتًا محل زملائهم في حالة غيابهم لأي سبب من الأسباب فيما يعرف بالقاضي الداعم، وفي هولندا هناك نظام الفرقة الطائرة “Flying Brigade”، وهي عبارة عن وحدة تضم مجموعة من القضاة يقومون بمساعدة دوائر المحكمة من خلال تناول الدعاوى البسيطة والنمطية وبحثها وإعداد مشروع أولي للفصل فيها يرسل لدوائر المحكمة لاعتماده إن أرادت، وذلك لمواجهة العبء المتزايد من الدعاوى(6).

  • تخصيص الموارد المناسبة للتعامل مع عبء الدعاوى، ذلك أن الهدف من فهم وتقدير عبء الدعاوى بالمحاكم المختلفة والوقت الذي يتطلبه إنجازها هو تخصيص موارد بشرية من القضاة والإداريين وموارد مالية مثل القاعات والأجهزة وغيرها بما يتناسب مع هذا العبء(7).

 

سياسات إدارة عبء الدعاوى

علاوة على السياسات والاستراتيجيات المخصصة للتعامل مع عبء الدعاوى من ناحية تقليله أو إسناده أو تهيئة الموارد البشرية والمالية اللازمة، فإنه مما يكمل ذلك تبني سياسات واستراتيجيات لحسن إدارة عبء الدعاوى، وضبط تدفقه، ويقصد بذلك مجموعة الأعمال التي تقوم بها المحكمة للمراقبة والتحكم في تقدم سير الدعاوى منذ قيدها وحتى التصرف فيها، وذلك بغرض التأكد من حسن سير العدالة وفاعليتها.

ومن بين السياسات والاستراتيجيات التي جرى استخدامها وتجربتها في العديد من الأنظمة القضائية:

  • التدخل السريع والمراقبة المستمرة

ومؤدى ذلك أن تكون المحكمة -وليس أطراف الخصومة- هي من يتحكم ويراقب التقدم في سير الدعوى، ويكون التدخل المبكر للمحكمة من خلال تدخل القاضي فور رفع الدعوى بوضع نظام لإدارتها بما يشمل إعطاء توجيهات للأطراف والاجتماع بهم لوضع جدول نظر الدعوى والإجراءات المختلفة لها والأجل المحدد لكل إجراء،

أما المراقبة المستمرة فتتضمن أنه من الناحية العملية ومنذ بدء تسجيل الدعوى تبدأ عملية مراقبة سيرها، فيقوم قلم الكتاب بإخضاعها لنظام يمكنه من المراجعة الدورية لتقدم السير فيها، لتكون عملية المراجعة جزءًا من نظام مركزي آلي لإدارة معلومات الدعوى والتحكم في سيرها بوضعها في الإطار النمطي الملائم،

والذي يشمل إجراءات مثل تسجيل بيانات الدعوى، وإصدار ووضع الجدول الزمني لسماعها، وإصدار الأوامر المتعلقة بإدارتها حتى يتم التصرف فيها، سواء كان التصرف بإصدار قرار أو حكم منه للنزاع أو بتسوية النزاع، ويشمل ذلك أيضًا الإجراءات المتعلقة بما بعد التصرف في الدعوى، وتضمن الإدارة المستمرة للدعاوى أنه لن تكون هناك دعوى تضيع في طي النسيان أو الإهمال(8).

كما أن المراقبة المستمرة للمحكمة للتطور في نظر الدعوى تشمل إمكانية توقيع جزاءات إجرائية على من يتخلف من الخصوم عن القيام بإجراء من الإجراءات خلال الأجل المحدد له.

  • الإدارة التفاضلية للدعاوى

يقصد بالإدارة التفاضلية للدعاوى Differentiated Case Management DCM أن تغاير المحكمة في إدارتها للدعاوى من جهة حجم الاهتمام الذي تحتاجه الدعوى من القضاة وأعوانهم، والمساحة الزمنية التي يتم إنجاز الدعوى خلالها. وليس المقصود بالإدارة التفاضلية اتباع ما تفرضه القوانين الإجرائية من تباين في اختصاص المحاكم تبعًا لنوع وقيمة الدعوى في القضاء المدني أو تبعًا لجسامة الجريمة في القضاء الجنائي فقط، وإنما يتعدى الأمر ذلك إلى التباين في أساليب إدارة الدعاوى التي تختص بها المحكمة ذاتها.

والأصل أن الدعاوى التي تدخل في اختصاص محكمة بعينها يتبع بشأنها الإجراءات ذاتها والجداول الزمنية، وتكون الأولوية في سماعها -من قبل المحكمة- للأسبق في تاريخ قيد الدعوى. إلا أن هذا الطرح يغفل الاختلافات بين الدعاوى ويؤدي بالضرورة إلى أن بعض الدعاوى يتم إنجازها بسرعة كبيرة في حين تتأخر الدعاوى الأخرى تأخيرًا غير ضروري؛ لأن بعض الدعاوى لا تتطلب اهتمامًا كبيرًا من القاضي في حين أنها ستأخذ المساحة ذاتها من التعاطي من قبله بما يؤثر على قدرته على تناول القضايا التي تحتاج اهتمامًا أكبر، وأوضح مثال لذلك الجنح والمخالفات التنظيمية التي لا تتطلب القدر ذاته من إجراءات التحقيق مثل الجنح التي تقع على آحاد الناس.

ويقوم نظام الإدارة التفاضلية للدعاوى على تخصيص مسارات إجرائية مختلفة حسب درجة تعقيد كل قضية والوقت الذي يتطلبه فحص أدلتها والمرافعة فيها، ليمكن تخصيص مسار للدعاوى البسيطة، وآخر للقضايا الأكثر تعقيدًا، على أن يكون معيار التصنيف حجم القضية وطبيعة المسائل القانونية التي تطرحها وتعدد أطرافها. ويتطلب ذلك مراجعة أولية سريعة للقضايا بعد رفعها مباشرة بحضور ومشاركة الأطراف بهدف إسناد القضية للمسار السليم.

ويجب أن يعتمد التصنيف على معايير واضحة وشفافة، على أن يُمَكَّن المحامون من المثول بهذه الإجراءات التمهيدية لعرض وجهة نظرهم. وإذا ما انتهى التصنيف على هذا النحو فإنه يمكن إدارة جداول نظر الدعاوى بطرق مختلفة وتوزيع عبء الدعاوى بشكل يراعي حجم القضية مع تخصيص العدد المناسب من الموظفين في كل مسار من المسارات(9).

ويُلحظ أنه لا يوجد رقم محدد للمسارات التي يمكن تبنيها وإنما يجب أن يعكس التصنيف التمييز الواقعي في تناول الدعاوى إجرائيًّا ومن خلال تبني مجموعة من المعايير التي تقوم على دراسة متوسط الآجال الزمنية لإنجاز الدعاوى.

وينبغي على المحاكم أن تضع إطارًا زمنيًّا متوقعًا لكل مسار من مسارات الإدارة التفاضلية. فإذا ما تم تبني مسارات ثلاثة تشمل القضايا المعقدة والنمطية والسريعة، فمن الممكن أن يكون الوقت المتوقع لإنجاز الدعاوى المندرجة في المسار السريع ستة أشهر، ومن سنة إلى سنة ونصف للمسار النمطي، وسنتين للمسار المعقد، ويمكن للمحاكم أن تطور طوائف أخرى للتناول المغاير للدعاوى.

وفي كل الأحوال فإن نجاح برنامج الإدارة التفاضلية للدعاوى يتوقف على قدرة المحكمة على التقييم المبكر للدعاوى في لحظة تسجيلها بناء على المعلومات التي يقدمها أطراف الدعوى، وهنا يمكن للقائم بعملية المسح السريع للدعاوى أن يدخل الدعاوى في المسار الإجرائي المناسب، والذي تختلف إجراءات وأساليب إدارة الدعوى به والآجال الزمنية لنظرها.

وقد جرى اتباع أسلوب الإدارة المغايرة للدعاوى في الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى العديد من الولايات، وأسفرت تجارب تطبيقه بشكل ملحوظ عن تخفيض عدد الدعاوى المتداولة في المجالين الجنائي والمدني وزيادة معدل إنجاز القضايا(10).

  • إجراءات فاعلة لمراحل تحضير الدعوى

إن الإدارة الفاعلة لمرحلة تحضير الدعوى في الأنظمة القضائية التي تتضمن تحضير الدعوى من شأنه أن ييسر مسألة الفصل فيها، ولتحقيق ذلك فإن هذه الإدارة يجب أن تتسم بالآتي:

  • تحديد آجال قصيرة، مع إشعار الخصوم وممثليهم أن جميع طلبات التأجيل ومراجعة جدول سير الدعوى يجب أن تقدم قبل الموعد المحدد، وأنه لن يتم الاستجابة لها ما لم يوجد عذر وسبب معقول للتعديل، واتخاذ الإجراء المناسب قبل المحامين والخصوم الذين لا يلتزمون بالآجال المحددة ولا بالمتطلبات الإجرائية.
  • محاولة الاستجابة لطلبات الخصوم والمحامين المعقولة حتى لا يعاد طرحها في مرحلة جلسات نظر الدعوى.
  • ضبط الإطار الزمني بواقعية، ليمكن إنجاز الأمر الذي كان سببًا للتأجيل خلال الأجل، مع المراجعة المستمرة لإجراءات إدارة الدعوى من ناحية معقولية الأعباء على الخصوم وممثليهم والنفقات التي يتحملها الخصوم.

 

  • الإدارة الفاعلة لجلسات سماع الدعوى

إن المصداقية التي تتوافر من خلال عقد جلسات الاستماع في الدعوى في الآجال المحددة لها في جدول نظر الدعوى سوف يسهم في جعل الخصوم ومحاميهم مستعدين لهذه الجلسات، بل قد يضع ذلك الضغط عليهم بما يجعلهم يبحثون عن التسوية الودية خارج نطاق المحاكم، كما أن الاستغلال الأمثل لوقت المحكمة في إدارة الجلسات، من شأنه دفع تقدم الدعاوى والفصل فيها في وقت مناسب، وهناك عدة آليات تهيئ لهذه الإدارة الفاعلة ما يأتي:

  • انضباط سياسة تضمين القضايا

ويتصل ذلك بتحديد عدد القضايا التي يمكن للمحكمة أن تنظرها في إحدى الجلسات، وأحد الخيارات التي يمكن تبنيها في هذا الصدد هو تحديد جلسات لنظر الدعاوى بغض النظر عن احتمال تسوية بعضها قبل إجراءات سماعها، وقد يؤدي ذلك إلى وجود فائض في الوقت بسبب تسوية بعض الدعاوى أو شطبها، أما الخيار الآخر فيكون بتحديد جلسات لعدد أكبر من القضايا مما يمكن للمحكمة أن تنظره تحسبًا لتسوية بعض هذه الدعاوى أو الحجز فوق طاقة الاستيعاب، وقد يؤدي هذا الخيار مع وجود دعاوى جديدة كثيرة إلى عدم قدرة المحكمة على إنجاز الاستماع لجميع القضايا ورفع معدل ازدحامها.

قد يكون الحل الأمثل تفاديًا لمخاطر الخيارين السابقين هو تبني معامل معقول لتضمين الدعاوى في جدول الجلسات Reasonable Setting Factor (RSF) يحقق التوازن بين المتطلبات الزمنية لنظر الدعاوى وما يتم قيده من دعاوى جديدة. ويقصد بمعامل RSF “العدد الأقل من الدعاوى في كل جلسة الذي يسمح للمحكمة بالتحكم في حصر القضايا القائم وإدارته فيما يتصل بالحجم والعمر الزمني للدعاوى”. ويعتمد هذا المعامل على المرونة المتوفرة لدى كل محكمة.

ومن بين التجارب التي يمكن الإشارة إليها كمثال على سياسة تضمين القضايا نظام الأجندة الذكية المستخدم في محكمة Wrentham بولاية Massachusetts في الولايات المتحدة الأمريكية، ووفقًا لهذا النظام يطلب من القضاة والعاملين في مجال التوفيق والوساطة في مجال القضاء المدني أن يحددوا لكل دعوى معدل السير في إجراءات الخصومة Trial Rating ويبنى هذا المعدل على طبيعة الدعوى والتجارب السابقة بشأن احتمال السير في إجراءات الخصومة دون تسوية، ويتم إعطاء نسب معينة  للدعاوى التي من المرجح أن تتم تسويتها أو أن تنتهي بدون حكم يفصل في الدعوى وأخذًا في الاعتبار بالمعدلات السابقة، تحدد نسبة معينة لتضمين القضايا فوق طاقة استيعاب المحكمة بما يجعل هذا التضمين واقعيًّا يحول دون تأجيل القضايا بغير مقتضى من جهة، أو أن يكون هناك فائض غير مستغل في وقت المحكمة من جهة أخرى(11).

  • سياسة تأجيل القضايا

مما يساعد على وضع جداول محددة وذات مصداقية لنظر الدعاوى، والإدارة الفاعلة لجلسات التقاضي تتمثل في التقليل من عدد القضايا المؤجلة من جلسة لأخرى دون داع؛ لأن هذا الإجراء يشجع المحامين والخصوم على عدم الاستعداد بشكل كاف للجلسات لتوقعهم أن يتم تأجيل الدعوى.

وقد يكون عدم استعداد المحامين والخصوم لجلسات الاستماع سواء من جهة المستندات أو المذكرات أو إحضار الشهود أو الترافع سببًا دافعًا لتأجيل المزيد من الدعاوى، ومن ثم عدم الاستفادة من وقت المحكمة، وقد تؤدي هذه التأجيلات إلى وضع المزيد من القضايا في جلسات تالية بشكل يعجز المحكمة عن إنهاء إجراءات الجلسة في حينها، فيزيد من توقع المحامين التأجيل، ومن ثم يشجع على عدم الاستعداد للجلسة فيكون المخرج هو المزيد من التأجيلات، فيكون الأمر أشبه بالدائرة المفرغة. والحل لذلك هو حصر الاستجابة للتأجيلات في أضيق الحدود، إذ يكون هناك عذر حقيقي ومعقول يبرر التأجيل، وعلى أن يكون تضمين القضايا في الجلسات التالية مراعيًا عدم تحميل المحكمة عبئًا يعوقها عن نظر الدعاوى في حينها.

  • من العناصر التي تعين على الإدارة الفاعلة لوقت جلسات الاستماع هو تناول الدعوى بشكل مركز متسلسل Concentrated approach

يمكن من خلاله تتابع الجلسات لاستكمال إجراءات نظر الدعوى، وتوضح آجال تبادل المذكرات والمرافعات، لا أن يتم تجزئة نظر الدعوى، فيكون تصرف المحكمة ردَّ فعل على سلوك الخصوم في إثبات الدعوى.

أحد الأساليب المميزة لضمان فاعلية الاستفادة من وقت نظر الدعوى هو عقد اجتماع لإدارة جلسات الاستماع قبل أسبوعين على الأكثر من بدئها، ويضم هذا الاجتماع الخصوم أو وكلاءهم ويمكن من خلاله معالجة عدد من المسائل مثل إصدار أية قرارات تتعلق بإجراءات الإفصاح أو الاطلاع المتبادل، إذا لم تكن قد حسمت خلال مرحلة تحضير الدعوى، والوقوف على المسائل القانونية والواقعية محل النزاع والأمور الأخرى غير المتنازع عليها، وتبادل المستندات والمذكرات، ومراجعة الالتماسات والطلبات الأولية والوقتية والفصل فيها قبل جلسات نظر الدعوى، وتبادل قائمة الشهود وجدولة سماع أقوالهم وتجنب أي شكل من أشكال الازدواج في الشهادة، ومناقشة وإصدار القرارات بشأن أية مسألة محتملة تتصل بقبول الأدلة، ومعالجة أية احتياجات خاصة لنظر الدعوى مثل وجود مترجمين أو سماع شاهد عن طريق الدوائر التليفزيونية، أو شبكة المعلومات، واتخاذ الترتيبات والتقنيات اللازمة لذلك في حينها، مع الحرص على إنفاذ الآجال الزمنية والحفاظ على دقة وزخم الجلسات وأن تُقدَّم أدلة الدعوى دون مقاطعات مكررة، أو آجال غير مبررة.

ويمكن للقاضي أن يفرض ذلك من خلال استخدام آجال زمنية للإجراءات أمام المحاكم على أن تكون على قدر من المعقولية والمرونة في مختلف مراحل الدعوى من تبادل المستندات والمذكرات وسماع الشهود والمرافعات والتعقيبات الختامية، ويجب أن تحدد هذه الآجال مسبقًا بالتشاور مع الخصوم على أن يتسم ذلك بقدر من المعقولية بما يتناسب وظروف كل دعوى، ويمكن مع ذلك تعديل هذه الآجال خلال نظر الدعوى إذا دعت الحاجة لذلك وعلى أن يكون ذلك في أضيق نطاق(12).

  • الإدارة الجيدة للمعلومات القضائية

بما يشمل تبني تقنيات حديثة لتتبع سير الدعاوى والوقوف على ما تم فيها، فضلًا عن الوقوف على المعلومات اللازمة للفصل في القضية المتاحة لدى محاكم أخرى أو لدى بعض الدوائر الحكومية.

  • تقارير فاعلة لإدارة الدعاوى

تؤدي تقارير إدارة تدفق الدعاوى وظيفتين؛ فهي من ناحية توفر معلومات بشأن مدى استغلال الموارد المتاحة للمحاكم الاستغلال السليم، ومن ناحية أخرى تتضمن معايير قياس الأداء التي يجب أن يعتمد عليها القائمون على إدارة المحاكم من أجل التعرف على المشكلات ومحاولة حلها.

ويجب أن تتسم التقارير بالدقة كما يجب أن تتيح للمحكمة تقييم أدائها في ضوء المعايير والأهداف الموضوعة سلفًا، ويجب أن تكون متاحة للقضاة والقائمين على إدارة المحاكم. وحتى تؤدي تقارير إدارة تدفق الدعاوى هذه الوظائف يجب أن تتسم بالسمات الآتية:

  • دقة البيانات والقابلية للمقارنة

فلن تكون تقارير إدارة تدفق الدعاوى مفيدة إلا إذا كانت البيانات التي أسست عليها تتسم بالدقة والتناسق. وقد يكون عدم دقة هذه البيانات راجعًا لنقصها أو عدم إدخالها بطريقة صحيحة، كما يجب لضمان دقة إدخال البيانات أن يعهد لفريق من الفنيين بتدقيق ومراجعة البيانات المدخلة والأسس التي قام الموظف بناء عليها بإدخال البيانات، ومن ثم اكتشاف الأخطاء وتداركها، ومن المهم لذلك الغرض تعريف المقصود بجميع مراحل نظر الدعوى الرئيسة حتى لا يثير الأمر لبسًا لدى القائمين على إدخال البيانات، فينبغي تعريف متى تكون الدعوى مسجلة، ومتى تكون الدعوى متداولة أو منتهية، فقد يكون إنهاء الدعوى بصدور حكم منه للخصومة أو بشطب الدعوى وعدم تجديدها في الموعد المحدد قانونًا أو بأي عارض من عوارض الخصومة يحيل الدعوى من الحالة النشطة للحالة الخاملة. ومن المهم أيضًا في هذا المجال تنظيم الأمر من الناحية الإدارية بشكل موحد حتى تكون البيانات ذات مصداقية ومعبرة عن الواقع العملي.

  • تحديد نوعية البيانات التي يتم تسجيلها ووضعها في التقارير

فمع تعدد أنواع الدعاوى واختلاف طوائفها، والإجراءات المختلفة المتخذة في كل دعوى، وما قد يعرض لها من عوارض قد تثير الخلط لدي موظفي المحكمة بشأن نوعية البيانات التي يجب إدخالها أو إهمالها. وقد يؤدي إدخال المزيد من البيانات إلى تزايد الرموز وتعقيدها وتقديم صورة غير واضحة عن عمل المحكمة في إدارة الدعاوى، كما قد يؤدي نقص البيانات إلى النتيجة نفسها. لذلك يجب أن توضح -بشكل لا لبس فيه- البيانات التي يتم إدخالها في نظام معلومات المحكمة وتبني تعريفات ورموز موحدة لها تفاديًا للأخطاء ولنقص أو زيادة البيانات عن الحد اللازم.

  • الفاعلية

والتي تتعلق بتضمين البيانات التي يحتاج إليها القائمون على إدارة المحاكم والقضاة لتقييم الموقف الحالي، واستخدام المعلومات الواردة بالتقارير بشكل إيجابي لإدارة عبء الدعاوى، دون أن تكون التقارير متخمة ببيانات زائدة عن المطلوب، أو قاصرة عن تقديم صورة واقعية لحالة إدارة الدعاوى بالمحكمة، لذلك فإن أهم البيانات التي يجب أن يتضمنها التقرير تشمل بيانات بشأن حالة القضايا الفردية، فيجب أن يكون أمام القضاة معلومات بشأن الدعاوى التي سينظرونها على الأقل خلال أسبوع سابق على مثول الأطراف أمام المحكمة. ويجب أن يوضح الجدول الأسبوعي للدائرة أسماء الخصوم وأنواع الدعاوى وأنماطها ومواعيد نظرها.

كما يجب أن تتضمن التقارير بيانات بشأن عبء الدعاوى على مستوى المحكمة وتشمل معدل الإنجاز، وحجم الدعاوى الباقية، ومؤشر التراكم، ومعدل عمر القضايا الباقية، والمنجزة، ومعدل التأجيل، وذلك لقياس مدى تحقق أهداف إدارة الدعاوى بوجه عام على مستوى المحكمة أو على مستوى المؤسسة القضائية ككل، فضلًا عن أنه -فيما يتصل بالتأجيلات- يفضل أن يتضمن التقرير بيانات نوعية قابلة للتحليل بشأن التأجيلات التي تم منحها، من جهة نوعها، وسبب الأجل، والطرف طالب التأجيل، وسوف تساعد هذه البيانات القضاة على الإلمام بكم التأجيلات التي تم منحها، ومن ثم تساعدهم على إدارة عبء الدعاوى بشكل مناسب.

ويتوقف نجاح تقارير إدارة الدعاوى في أداء وظيفتها بشكل عام على قناعة القائمين بإدارة الدعاوى بأهميتها في تحقيق أهداف الإدارة الناجحة للعدالة، وعلى مدى دقة البيانات الواردة بها، وعلى الطريقة التي يتم عرضها بها، والتي يجب أن تكون موجزة ومبسطة بشكل يسهل على القائمين على الإدارة التعامل معها. ولضمان نجاعة التقارير في تحقيق فاعلية إدارة تدفق الدعاوى يجب أن تصدر بشكل دوري، سواءٌ كانت سنوية أو نصف سنوية أو ربع سنوية.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار

 

 

(١)  نقلها ابن القيم في إعلام الموقعين.

(٢)سعود محمد الطريفي، مقومات العدل في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ٢٠٠٤، ص ١١١.

(٣)Gar Yein Ng, Quality of Judicial Organization and Checks and Balances, G.J. Wiarda Institute for Legal Research, Utrecht, The Netherlands, 2007, P. 6.

(٤)د. مصطفى عبد الغفار، مناهج وضع السياسات القضائية وإدارة أعمال المحاكم، دار النهضة العربية، ٢٠١٥، ص: ٣٩٥.

(٥)David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 114.

(٦) Philip M. LANGBROEK and Marco FABRI, The Right Judge for Each Case: A Study of Case Assignment and Impartiality in Six European Judiciaries, Antwerp, Intersentia, 2007., P. 16.

(٧) European Commission for the Efficiency of Justice, Best Practices on Time Management of Judicial Proceedings, Council of Europe, 2006, P. 17.

(٨) David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 3.

(٩) UNODC, Resource Guide on Strengthening Judicial Integrity and Capacity, United Nations Publications, Vienna, 2011, P.51.

(١٠) David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 5.

(١١) David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 9.

(١٢) UNODC, Resource Guide on Strengthening Judicial Integrity and Capacity, OP, P. 49

­

الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية في المملكة العربية السعودية وفي القوانين المقارنة

مقدمة وطبيعة المشكلة

تمثل الإجراءات الوقتية والتحفظية Interim Relief or Conservatory Measures  صورة من صور الحماية المؤقتة تتمثل في صورة أوامر أو أحكام تصدر ذات طبيعة مؤقتة لحين الفصل في النزاع بشكل قطعي، لها أهداف مختلفة تشمل المحافظة على الوضع القائم أو إعادته إلى ما كان عليه لحين الفصل في النزاع، أو منع التلاعب بالأدلة، أو المحافظة على الأصول التي يمكن أن تضمن تنفيذ الحكم النهائي.

ويعد تنظيم وطلب الإجراءات الوقتية والتحفظية من الأمور التي استقرت معظم الأنظمة القضائية المعاصرة على تنظيمها ومعالجتها، على أن اللجوء لطلب الإجراءات الوقتية والتحفظية في إجراءات التحكيم صار من الأمور الذائعة الانتشار في التحكيم وتضمنته العديد من القوانين المقارنة، علاوة على انتشاره في قواعد العديد من مؤسسات التحكيم العالمية الرائدة مثل المركز الدولي لتسوية المنازعات بجمعية التحكيم الأمريكية AAA-ICDR، أو محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية ICC، أو مركز سنغافورة للتحكيم التجاري الدولي SIAC، أو محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA، وكذلك في المركز السعودي للتحكيم التجاري الدولي CCA، سواء من خلال تمكين الأطراف من طلب هذه التدابير من هيئة التحكيم فور تشكيلها، أو من خلال طلبها من محكم الطوارئ أو محكم التدابير المستعجلة الذي يمكن أن يُعين ليفصل في هذه الطلبات قبل تشكيل هيئة التحكيم.

وبالرغم من أن طلب التدابير الوقتية والتحفظية صار متاحًا في إجراءات التحكيم المعاصرة سواء كان تحكيمًا حرًّا أو مؤسسيًّا، فإن طلب التدابير الوقتية والتحفظية من المحاكم ما زال له جاذبية خاصة لدى العديد من أطراف خصومة التحكيم، ومن عوامل جاذبيته أنه يمكن طلب التدابير الوقتية في العديد من القوانين المقارنة من خلال أمر على عريضة Ex-Parte دون اكتمال انعقاد الخصومة، كما أنه يمكن أن تكون التدابير الوقتية والتحفظية الصادرة من القضاء نافذة في مواجهة الغير كما هو الحال في الأمر الصادر بتجميد حساب مصرفي لدى أحد المصارف([i]).

وتعالج قوانين التحكيم المقارنة أحوال اتفاق الأطراف على ولاية هيئة التحكيم للنظر في طلب التدابير الوقتية والتحفظية، وأحوال غياب مثل هذا الاتفاق، وكيف يمكن للأطراف الحصول على الحماية الوقتية، والتحفظية، وتعرض هذه الورقة لمسألة الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية في نظام التحكيم السعودي والقوانين المقارنة والخيارات المتاحة في التحكيم الحر والمؤسسي.

 

هل يشمل اتفاق التحكيم ولاية هيئة التحكيم للنظر في طلبات التدابير الوقتية والتحفظية وإصدارها؟

بالرغم من أنه قد صار مستقرًّا في الممارسة أن التحكيم أصبح هو القضاء الطبيعي للتجارة الدولية، فإن اتفاق التحكيم ما زال شرطًا أساسيًّا لازمًا مطلوبًا كي يكون لهيئة التحكيم ولاية بنظر النزاع، فالتحكيم على خلاف قضاء الدولة ليس متاحًا دائمًا ولا موحدًا، فاتفاق الأطراف هو ما يؤصل الخروج على الولاية العامة لقضاء الدولة وانعقاد الولاية لهيئة التحكيم، ليكون دور الدولة هو الاعتراف بالأثر الكامل لإرادة الأطراف المتمثلة في اتفاق التحكيم وضبط حدودها([ii])، ومؤدى ذلك أن يكون لاتفاق التحكيم أثران؛ أحدهما سلبي ويتمثل في امتناع القضاء عن نظر الدعوى، والآخر إيجابي يتمثل في اختصاص هيئة التحكيم بنظر الدعوى والفصل فيها بحكم حائز لقوة الأمر المقضي، والتساؤل الذي يطرح نفسه: هل يمتد الأثر السلبي والإيجابي لاتفاق التحكيم ليشمل التدابير الوقتية والتحفظية، ليصبح مجرد وجود اتفاق التحكيم يعني سلب اختصاص القضاء باتخاذ هذه التدابير وانعقاد الاختصاص لهيئة التحكيم، أو أن الأمر يتطلب اتفاقًا خاصًّا؟([iii]). تعرض السطور الآتية موقف القانون النموذجي وبعض القوانين المقارنة قبل أن تعرض موقف نظام التحكيم السعودي.

الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية وفق القانون النموذجي للأونسترال

لم يعتبر قانون الأونسترال النموذجي أن لاتفاق التحكيم أثرًا سلبيًّا يمنع الأطراف من طلب الإجراءات الوقتية والتحفظية من المحاكم قبل بدء إجراءات التحكيم، أو أن تصدر المحاكم تدابير وقتية بناء على هذه الطلبات([iv])،

أما بعد بدء إجراءات التحكيم وتشكيل هيئة التحكيم، فقد أجاز القانون النموذجي لهيئة التحكيم إصدار تدابير مؤقتة بناء على طلب أحد الطرفين، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك([v])، وأوجب القانون النموذجي الاعتراف بالتدبير المؤقت الصادر عن هيئة التحكيم كتدبير ملزم ويتعين إنفاذه بصرف النظر عن البلد الذي أصدر فيه([vi])،

لكن القانون النموذجي للأونسترال لم يسلب القضاء صلاحية إصدار تدابير مؤقتة أثناء إجراءات التحكيم فقد أجاز للمحكمة أن تصدر إجراءات مؤقتة لأغراض إجراءات التحكيم، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الإجراءات تجري في إقليم الدولة التي يطلب من محاكمها إصدار التدابير المؤقتة([vii]).

وقد حرصت المذكرة الإيضاحية للقانون النموذجي على التأكيد أن الغرض من هذا الحكم الأخير الذي أضيف في عام 2006 استبعاد أي مجال للشك في أن وجود اتفاق التحكيم لا ينال من صلاحيات المحكمة المختصة لإصدار التدابير المؤقتة، وأن للطرف في الاتفاق التحكيم حرية التقدم للمحكمة بطلب الأمر بالتدابير المؤقتة، كما أن له أن يتقدم بها لهيئة التحكيم.

ومؤدى النصوص المتقدمة أن الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية وفق قانون الأونسترال النموذجي هو اختصاص مشترك بين المحاكم وهيئات التحكيم، وللأطراف حرية الاختيار بين أي منهما ما لم يتضمن اتفاق التحكيم النص على خلاف ذلك، ولا يتطلب الأمر على هذا النحو وجود اتفاق خاص بين الأطراف يعطي هيئة التحكيم صلاحية اتخاذ الإجراءات التحفظية والوقتية، بل للأطراف الاتفاق على استبعاد الهيئة من هذا الاختصاص.

الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية في القوانين المقارنة

يتيح قانون التحكيم الإنجليزي للأطراف الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم صلاحية إصدار تدابير وقتية تحفظية، على أن هذا الاختصاص منوط بأن يتفق الأطراف على منح الهيئة هذه الصلاحية، فإن لم يتفق الأطراف اتفاقًا خاصًّا على ذلك، فلا يكون لهيئة التحكيم هذه الصلاحية([viii]).

وفي المقابل يعطي قانون التحكيم الإنجليزي القضاء صلاحية اتخاذ إجراءات وقتية تحفظية دعمًا لهيئة التحكيم، وذلك في الأحوال التي لا يكون لهيئة التحكيم هذه الصلاحية فحسب، أو أن تكون غير قادرة على مباشرتها([ix]).

وعلى ذلك، فإن قانون التحكيم الإنجليزي لم يعط كلًّا من هيئة التحكيم والمحكمة اختصاصًا مشتركًا بإصدار تدابير وقتية أو تحفظية، بل جعل اختصاص هيئة التحكيم بإصدار هذه التدابير منوطًا باتفاق الأطراف على منح هيئة التحكيم هذا الاختصاص، فإن غاب هذا الاتفاق فإن الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية يكون للقضاء في إطار دوره في دعم إجراءات التحكيم.

أما القانون الفرنسي، فإن وجود اتفاق التحكيم لا يمنع الأطراف من طلب التدابير الوقتية والتحفظية من المحكمة ما دام أن هيئة التحكيم لم تشكل بعد([x])، أما في حال تشكيل هيئة التحكيم فإن الاختصاص بإصدار التدابير الوقتية والتحفظية يصبح لهيئة التحكيم، عدا بعض أنواع التدابير الوقتية التي يبقى الاختصاص فيها للقضاء مثل أوامر الحجز والضمانات القضائية  Sûretés Judiciaires([xi]).

أما قانون التحكيم المصري، فقد أجاز للمحكمة أن تأمر بناء على طلب أحد طرفي التحكيم باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها([xii]).

ومن جهة أخرى يجيز قانون التحكيم المصري لأطراف التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم -بناء على طلب أحدهما- أن تأمر أيًّا منهما باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، أو أن تطلب تقديم ضمان كاف لتغطية نفقات التدبير الذي تأمر به، فإذا تخلف من صدر إليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم -بناء على طلب الطرف الآخر- أن تأذن له باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه، أو أن يطلب من المحكمة الأمر بتنفيذ هذا التدبير([xiii]).

ومؤدى النصوص المتقدمة أن قانون التحكيم المصري عد اختصاص المحكمة باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية اختصاصًا أصيلًا لا ينفك عنها بعد السير في إجراءات التحكيم إلا باتفاق الأطراف على أن يكون لهيئة التحكيم أن تأمر باتخاذ هذه التدابير([xiv]).

الاختصاص بطلب التدابير الوقتية والتحفظية في نظام التحكيم السعودي

أعطى نظام التحكيم السعودي المحكمة صلاحية الأمر باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية بناء على طلب أحد أطراف التحكيم قبل البدء في إجراءات التحكيم أو بناء على طلب هيئة التحكيم أثناء سير إجراءات التحكيم، وأجازت الرجوع عن تلك الإجراءات بالطريقة نفسها، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك([xv]).

على أنه من جهة أخرى أجاز نظام التحكيم السعودي لأطراف التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم ـبناء على طلب أحد الأطراف- أن تأمر باتخاذ ما تراه من تدابير وقتية أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، ولهيئة التحكيم أن تلزم الطرف الذي يطلب اتخاذ تلك التدابير تقديم ضمان مالي مناسب لتنفيذ هذا الإجراء، فإذا تخلف من صدر عليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم بناء على طلب الطرف الآخر أن تأذن له باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه بما في ذلك أن يطلب من الجهة المختصة تكليف من صدر عليه الأمر بتنفيذه([xvi]).

ومؤدى ذلك أن نظام التحكيم السعودي أتاح للقضاء في إطار مباشرة دوره الداعم للتحكيم أن يقضي باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية بناء على طلب أي من الأطراف قبل البدء في إجراءات التحكيم، أما بعد البدء في إجراءات التحكيم فإن طلب إصدار التدابير الوقتية يقتصر على هيئة التحكيم التي لها تقييم الطلب ورؤية مدى رجحان قبوله أو قيامه على أسس صحيحة، فإن بدا لها ذلك رفعته للمحكمة وطلبت منها الأمر بالتدبير الوقتي أو التحفظي، وإلا قضت بعدم قبوله.

على أن التحدي الذي قد يواجه الأطراف في هذا الصدد أن تشكيل هيئة التحكيم قد يكون بعد بدء إجراءات التحكيم التي تبدأ وفق نص المادة (26) من نظام التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه أحد طرفي التحكيم طلب التحكيم من الطرف الآخر ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، ولذلك فإنه يحدث في العمل أن تمضي فترة زمنية من بدء إجراءات التحكيم حتى تشكيل الهيئة لا يتاح للأطراف فيها التمتع بالحماية الوقتية أو التحفظية من القضاء أو الهيئة.

وإذا كنا نرى أن الحماية الوقتية تبقى من اختصاص القضاء ما دامت الهيئة لم تشكل، إلا أنه قد يكون من المناسب دراسة الطرف المعني قبل البدء في إجراءات التحكيم مدى حاجته لطلب تدبير وقتي أو تحفظي، فيبادر بطلبه من المحكمة قبل البدء في إجراءات التحكيم.

التدابير الوقتية والتحفظية وفق قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري

تتيح قواعد المركز السعودي للتحكيم التجاري لهيئة التحكيم -بناء على طلب أحد الأطراف- أن تأمر باتخاذ أي تدابير مؤقتة أو تحفظية تراها ضرورية([xvii]).

ومن جهة أخرى وعلى غرار العديد من مؤسسات التحكيم العالمية أجازت قواعد تحكيم المركز للأطراف طلب تعيين محكم للتدابير المستعجلة إذا اقتضت الحاجة أن ينظر في التدبير المستعجل قبل تشكيل هيئة التحكيم([xviii]).

وأفردت لذلك ملحقًا يعالج إجراءات عمل محكم التدابير المستعجلة هو الملحق الثالث للقواعد، وقد بنيت إجراءات عمل المحكم على تبني آجال قصيرة لتعيين المحكم، ونظر الطلب، مع تحديد مهلة زمنية إجمالية لإصدار التدبير المؤقت خلال أربعة عشر يومًا من تاريخ إحالة الملف للمحكم.

ويلحظ أن اتفاق الأطراف على كون التحكيم وفق قواعد إحدى مؤسسات التحكيم يعني -وفق صريح نص المادة الرابعة من نظام التحكيم السعودي- الترخيص لهذه المؤسسة في اختيار الإجراء الواجب الاتباع، وذلك في الحالات التي يجيز فيها النظام لطرفي التحكيم اختيار الإجراء الواجب، ومن ضمن هذه الحالات الاتفاق على صلاحية هيئة التحكيم في إصدار التدابير المؤقتة والتحفظية.

وينظر البعض لما درجت عليه مؤسسات التحكيم من تضمين أحكام خاصة لمحكم التدابير المستعجلة أو الطوارئ ما يعزز توفير الحماية الوقتية في إجراءات التحكيم بشكل فاعل([xix])، ولذلك فقد رفضت المحكمة العليا الإنجليزية أن يكون لها صلاحية إصدار تدابير وقتية وفق قانون التحكيم، إذا كان بوسع الأطراف اللجوء لطلب تعيين محكم التدابير المستعجلة وفق قواعد محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA، باعتبار أن اختصاص القضاء بإصدار هذه التدابير مقيد بأن تكون هيئة التحكيم أو غيرها من الأجهزة المعنية لا تملك الصلاحية في إصدار هذه التدابير، أو غير قادرة على مباشرة هذا الاختصاص، ولذلك فقد رأت المحكمة أن إجراءات محكم التدابير المستعجلة تتيح للأطراف فرصة كافية للحصول على الحماية الوقتية([xx]).

ينبغي على الأطراف قبل البدء في إجراءات التحكيم النظر بعناية في القيود التي على اختصاص القضاء وهيئات التحكيم في إصدار تدابير وقتية أو تحفظية، ومراعاة ذلك في توقيت طلب التدبير الوقتي والتحفظي، ويوفر التحكيم المؤسسي فرصة جيدة لإتاحة طلب الحماية الوقتية والتحفظية سواء من خلال إعمال نصوص محكم التدابير المستعجلة أو محكم الطوارئ، أو من خلال صلاحية هيئة التحكيم في إصدار هذه التدابير.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار

 

تحقيق المطالبات المحتملة والمتنازع عليها في إجراء إعادة التنظيم المالي

مقدمة

إن أحد الأهداف الجوهرية لقوانين الإفلاس المعاصرة -ومن بينها نظام الإفلاس السعودي- هو تنظيم فوضى المطالبات الفردية للمدين المتعثر، ومن هنا ظهرت أهمية تعليق المطالبات لفترة زمنية محددة، والتحقيق المركزي للمطالبات من خلال الكيانات القائمة على تطبيق أنظمة الإفلاس. وهناك ثلاثة إجراءات رئيسة للإفلاس:

  • التسوية الوقائية
  • إعادة التنظيم المالي
  • التصفية

ويركز مقالنا هذا على إجراء إعادة التنظيم المالي -والذي يتضمن مراجعة شاملة للوضع المالي للمدين- بهدف إعادة تنظيم نشاط المدين ماليًّا تحت إشراف أمين إفلاس مرخص؛ لضمان عدالة الإجراء.

ومن إيجابيات إجراء إعادة التنظيم المالي أنه:

  • يتيح للدائنين تقديم مطالباتهم خلال مدة لا تزيد على 90 يومًا من تاريخ افتتاح الإجراء، ويكون الحد الأقصى 60 يومًا في حالة إجراء إعادة التنظيم المالي لصغار المدينين.
  • يشمل أي دين -في ذمة المدين- نشأ قبل صدور حكم افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي، ويستوي أن تكون المطالبة بدين حال أو آجل، منجَّز أو موقوف، محقَّق أو محتمل، وسواء كان محدد القيمة أو غير محدد القيمة.
  • لا يُشترط أن تكون المطالبة مرتبطة بنشاط المدين؛ فكل الديون الثابتة في ذمة المدين يجوز التقدم بالمطالبة بها في إجراء إعادة التنظيم المالي.
  • يوجب على الأمين التحقق من هذه المطالبات ودراستها، وإعداد قائمة بالمطالَبات متضمنة توصيته إزاء كل مطالبة، وقد تكون التوصية بالقبول أو الرفض، أو العرض على خبير لاستجلاء مسألة فنية من المسائل الواقعية في المطالبة.
  • يوجب تبليغ مقدم المطالبة الذي أوصى الأمين برفض مطالبته أو عرضها على الخبير لتحقيق مبدأ المواجهة؛ إذ يحق لهذا الدائن أن يمثُل أمام المحكمة ليطلب اعتمادها ضمن قائمة المطالَبات.

والإشكال محل البحث الذي تطرحه هذه الورقة هو الوقوف على أشكال المطالبَات غير المؤكدة وغير المنجزة وغير الحالَّة وغير المقدرة -التي يمكن تقديمها في إجراء إعادة التنظيم المالي- والخيارات المتاحة للدائن في هذا الصدد، وما ينبغي على الأمين عمله إزاءها.

أنواع المطالَبات التي يمكن التقدم بها في إجراء إعادة التنظيم المالي:

جاء نظام الإفلاس موسَّعًا فيما يمكن التقدم به من مطالبات في إجراء إعادة التنظيم المالي، وإن كان هناك قيدان قد تضمنهما النظام وهما:

  1. وجوب أن تكون المطالبة بحق مالي: فلا تقبل المطالبات غير المالية؛ مثل المطالبة بفسخ عقد، أو إخلاء مأجور، أو تسليم مبيع، حتى ولو كانت ستؤثر على الحقوق المالية للأطراف. وعلى من يكون له دعوى ضد المدين بحق من هذه الحقوق أن:
  • يتريث لانقضاء فترة تعليق المطالبات ثم يتقدم بدعواه لدى الجهة المختصة بالفصل في النزاع، سواء كانت القضاء أو التحكيم.
  • أو يواصل دعواه إن كانت الدعوى قد أقيمت وأُوقفت كأثر من آثار التعليق.
  • أو أن يطلب من المحكمة وقف سريان تعليق المطالبات فيما يتصل بهذه الدعوى.
  1. وجوب أن يكون قد نشأ قبل افتتاح الإجراء: سواء كان منشأ هذا الدين تصرفًا نظاميًّا أو واقعة مادية.

وبالنسبة للمطالبات بحق مالي، فلا تثير المطالبات الثابتة الحالَّة المنجزة المقدرة القيمة أي إشكال، ولكن هناك صورًا أخرى للمطالبات قد تثير بعض الإشكال، وهي:

المطالبة غير مقدرة القيمة: ويكون ذلك إذا كان مقدم المطالبة يستند إلى التزام تعذر تنفيذه عينًا فصار إلى طلب التعويض، دون أن يكون هذا التعويض مستقرًّا اتفاقًا أو قضاء. وقد أوجب النظام في هذه الحالة على مقدم المطالبة أن يحدد قيمة تقديرية للدَّين المطالب به، وأن يتحقق الأمين من القيمة الفعلية لهذه المطالبة، بمعنى أن عليه أن يدرس عناصر الضرر الذي لحق بمقدم المطالبة وفق صورة المسؤولية المدنية المدعَى بها، سواء كانت مسؤولية عقدية أو تقصيرية.

المطالبة الآجلة: الأجل هو مدة من الزمن مستقبلة محققة الوقوع، ومحدَّدة شرعًا أو قضاء أو اتفاقًا؛ للوفاء بالتزام معين. والتأجيل هو تأخير تسليم العوض إلى وقت معين.

المطالبة المعلقة على شرط: أي المعلقة على أمر في المستقبل غير محقق الوقوع، ويجب أن يكون الشرط:

  • محتملًا غير محقق الوقوع، وغير موجود وقت نشأة الالتزام؛ فلو كان الشرط موجودًا وقت نشأة الالتزام لكان الالتزام منجزًا.
  • ممكنًا؛ فلا يصح تعلق الالتزام على أمر مستحيل.
  • أمرًا مشروعًا، أي غير ممنوع بمقتضى الشريعة الإسلامية والنظام العام.

المطالبة المحتملة: مع أن الأصل في المطالبة المعلقة على شرط أن تكون مطالبة محتملة -؛ لأن الشرط أمر محتمل في المستقبل غير محقق الوقوع-، لكن عبارات المنظِّم جاءت أوسع بشكل كبير لتشمل كل صور الاحتمال، بل وتضمن نص الفقرة الأولى من المادة (63) من نظام الإفلاس إضافة كل ما له قيمة مالية حالية أو مستقبلية.

ومن صور المطالبات المحتملة أن:

  • يكون عنصر الضرر في مسؤولية المدين العقدية أو التقصيرية لم يستقر بعد؛ كأن يكون خطأ المدين ترتب عليه إصابة مقدم المطالبة بإصابة بدنية لم يُشفَ منها بعدُ، فلا يتضح حينئذ حجم الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به.
  • يرجع مقدم المطالبة على المدين بدعوى الرجوع؛ لاستيفاء شخص آخر منه دينًا على المدين، مؤسسًا دعواه على أساس الإثراء بلا سبب، كما هو الحال في حالة الكفيل في رجوعه على المدين إن لم يكن بينهما علاقة عقدية، في حين تكون واقعة الوفاء ما زالت لم تستقر؛ لكونها محل منازعة قضائية بين مقدم المطالبة وهذا الشخص.
  • يستند مقدم المطالبة إلى حكم صادر ضد المدين لكنه محل اعتراض بالاستئناف.
ما فلسفة نظام الإفلاس في إتاحة الفرصة لأصحاب المطالبات المحتملة؟

إن فلسفة نـظام الإفلاس في إتاحة الفرصة لأصحاب المطالبات المحتملة في التقدم بمطالباتهم في إجراء إعادة التنظيم المالي، هي أن هذا الإجراء يتضمن معالجة مالية شاملة للمدين ولا يتطلب فقط أن يكون لدى كل الأطراف المعنية قائمة بالديون الثابتة الحالَّة المنجزة في ذمة المدين، بل أيضًا الديون المحتملة والآجلة والموقوفة وغير المقدرة القيمة وذلك للأسباب الآتية:

  • إحاطة الدائنين بالموقف المالي للمدين ليتمكنوا من تحديد موقفهم لدى التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، فيكون لدى الدائنين القدرة على التنبؤ بمدى قدرة النشاط على الاستمرار وحجم أصوله وديونه، فيقدروا ما إذا كان قبول بعض الإنقاص من حقوقهم في صورة تأجيل بعض الديون أو الحط منها أفضل لهم من خيار تصفية النشاط وتسييل الأصول. وقد لا يُكتفى في هذا الصدد بالإفصاح المالي للمدين -الوارد في المقترح والمستند إلى وثائق المدين وقوائمه المالية- كما هو الحال في إجراء التسوية الوقائية، بل يجب أن تُحقَّق الديون وتُجرَّد الأصول على نحو ما يتضمنه إجراء إعادة التنظيم المالي.
  • ضمان سلامة الإجراء ولتعزيز فرص نجاح المقترَح؛ إذ ينظر المدين فيما إذا كان الأجدى أن يُضمِّن المطالبات المحتملة غير الحالَّة والموقوفة في المقترح أو أن يعالجها شأن الديون الثابتة الحالَّة والمنجزة؛ حتى لا يفاجأ بعد انتهاء تعليق المطالبات بالعديد من الأحكام وقرارات التنفيذ بعد استقرار هذه المطالبات وثبوتها في ذمته بأحكام نافذة، الأمر الذي قد يعوق قدرته على تنفيذ خطة إعادة التنظيم المالي. ولا يعني تضمين هذه المطالبات المحتملة في المقترح إقرار المدين بها -إن كانت محل نزاع- أو قبوله بتعجيلها -إن كانت مؤجلة- أو تنازله عن الشرط إن كانت موقوفة، بل هو يتحوط في الخطة؛ لفرضية أن تستقر هذه المطالبات وتتحول لحقوق ثابتة قابلة للتنفيذ مما قد يؤثر على ملاءة المدين وقدرته على تنفيذ الخطة.

ويمكن للمدين -إن رأى تضمين هذه المطالبات المحتملة في المقترح- أن يضع هؤلاء الدائنين في فئة واحدة أو في عدة فئات؛ حتى لا يؤثر ذلك في عدالة تصنيف الدائنين، فلا يكون لهؤلاء حقوق متساوية في التصويت كالدائنين أصحاب الحقوق الثابتة المنجزة الحالَّة.

خيارات الدائن إن كانت المطالبة محتملة أو متنازع عليها 

إن الأثر المترتب على عدم تقدم الدائن بمطالبته -في المدة المحددة المعلن عنها من الأمين- هو استبعاده من التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي، إلا إذا أثبت الدائن للمحكمة -قبل التصويت- أنه قدم مطالبته ولم تصل للأمين لسبب خارج عن إرادته، أو أن المدين أو الأمين أسقط مطالبته من قائمة المطالَبات.

إذا سقط حق الدائن في التصويت، فإن هذا لا يؤثر على حقوقه تجاه المدين، فلا يعد عدم تقدمه بالمطالبة تنازلًا منه عن حقه لدى المدين؛ فهو ليس ملزمًا بتقديم مطالبته ودعواه في إجراء إعادة التنظيم المالي، بل يمكنه متابعة ذلك أمام جهة الفصل في المنازعات المختصة. ويرى البعض أن تقدم الدائن بمطالبته في إجراءات الإفلاس يؤثر بالقطع على استراتيجيته في متابعة دعواه أمام القضاء؛ لأن قضاء الإفلاس مقيَّد في إجراءاته بأنماط وأدلة إثبات وأطر زمنية محددة، وتجري دراسة المطالبات فيه بشكل جماعي، بما يؤثر على الوقت والاهتمام بالمطالبة من حيث الدراسة.

ويلحظ على تقديم المطالبة وتضمينها في قائمة المطالبات في إجراء إعادة التنظيم المالي ما يأتي:

  • أنه ليس له أثر تنفيذي يوجب إلزام المدين بالأداء الذي تضمنته المطالبة.
  • أنه لا يلزم المدين بأن يُضمِّن هذه المطالبة في مقترح إعادة التنظيم المالي.
  • أنه لا يعني أن يكون لصاحب هذه المطالبة الحق في التصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي؛ فالتصويت على مقترح إعادة التنظيم المالي -وفق نص الفقرة الأولى من المادة (66) من نظام الإفلاس- لا يكون إلا لمن ضُمِّنت مطالبته في قائمة المطالبات المقبولة، وبشرط أن يكون المقترَح يرتب أثرًا في حقوقه النظامية أو التعاقدية.

كما أنه ينبغي على الدائن أن يتقدم بمطالبته في إجراء إعادة التنظيم المالي؛ تحسبًا لأن يُضمِّن المدين مطالبة هذا الدائن في المقترح، أو أن يتضمن المقترح إنقاص هذه المطالبة بالتخفيض أو إعادة الجدولة دون أن يكون من حق هذا الدائن التصويت على المقترح لكونه لم يتقدم لتضمين مطالبته في قائمة المطالبات، مع ملاحظة أن خطة إعادة التنظيم المالي متى صُدق عليها صارت ملزمة للمدين والدائنين والملاك وفق ما نصت عليه المادة (37) من نظام الإفلاس التي تسري بالإحالة على إجراء إعادة التنظيم المالي.

لذلك فإن الدائن من خلال تقدُّمه بمطالبته في إجراء إعادة التنظيم المالي يسعى لأن يكون له موضع قدم وصوت في إجراء إعادة التنظيم المالي وذلك من خلال الآتي:

  • التصويت على المقترَح إن كان يؤثر في حقوقه على أي نحو.
  • الترشح لعضوية لجنة الدائنين إن شُكلت؛ إذ يُشترط للترشح لعضويتها أن يكون للدائن مطالبة مقبولة في قائمة المطالبات وفق ما نصت عليه الفقرة الفرعية (3/أ) من المادة (24) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس، ولهذه اللجنة العديد من الاختصاصات المؤثرة في إدارة الإجراء، وتعمل رقابتها على أداء الأمين والمدين على حد سواء.
  • المطالبة بدَينه بجميع وسائل الانتصاف الممكنة، واللجوء لكل وسائل التنفيذ المتاحة متى انتهى تعليق المطالبات، وذلك في حالة لم تُدرَج المطالبة في قائمة المطالبات كما هو الحال لو رفضتها المحكمة، أو إذا لم يُضمِّن المدين دَين مقدم المطالبة في مقترح إعادة التنظيم المالي.
موقف الأمين إزاء المطالبات المحتملة أو المتنازع عليها
  1. إذا كانت المطالبة موقوفة على شرط، أو آجلة لكن هناك دليلًا على ثبوتها بحق المدين: فعلى الأمين أن يوصي بقبولها مع إثبات الوصف الخاص بها في أسباب توصيته.
  2. إذا كانت المطالبة غير مقدرة القيمة، وكان الدائن قد قدم المطالبة بقيمة تقديرية: فعلى الأمين أن يتحقق من القيمة الفعلية لها، وأن يراجع تقدير الدائن ولو اقتضي الأمر عرض الأمر على خبير، وإذا كانت المطالبة بعملة أجنبية وجب تحويلها إلى الريال السعودي وفق أسعار الصرف السائدة في تاريخ افتتاح الإجراء.
  3. إذا كانت المطالبة متنازعًا عليها، وكان هذا النزاع ما زال منظورًا أمام جهة كالقضاء أو التحكيم دون أن يكون قد صدر حكم نهائي: فإنه ينبغي على الأمين أن يقول كلمته في هذه المطالبة بالتوصية بالقبول أو الرفض، استنادًا إلى ما يقدمه مقدم المطالبة من أدلة وأوراق ثبوتية، ولا يعد ذلك افتئاتًا على اختصاص الجهات الأخرى؛ لأن مقدم المطالبة هو من لجأ طواعية إلى قضاء الإفلاس بتقديم مطالبته، وهو ما جرى عليه عمل قضاء الإفلاس في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان استجلاء بعض عناصر هذه المنازعة يتطلب رأيًا فنيًّا، فقد يوصي الأمين بعرض الأمر على خبير لاستجلاء هذه العناصر إن كان من الممكن إنجاز هذه المهمة في إطار زمني معقول يتناسب مع الأطر الزمنية لإدارة الإجراء.
  4. إذا كان استجلاء العناصر الواقعية للمطالبة يتطلب وقتًا يتجاوز الأطر الزمنية المعقولة، أو إذا كانت المنازعة المنظورة أمام القضاء أو التحكيم بشأن المطالبة قد قطعت شوطًا طويلًا: فلا بأس بأن يوصي الأمين بقبول المطالبة كمطالبة محتملة تقبل لغرض التصويت حتى يُفصل في النزاع المتداوَل بشأنها.
  5. المطالبات المحتملة والتي لم تستقر بعد كامل عناصرها الواقعية، أو كان هناك منازعة يمكن أن تؤثر في حقوق مقدم المطالبة لدى المدين: ينبغي أن يُضمِّن الأمين المطالبة في قائمة المطالبات كمطالبة محتملة مقبولة لغرض التصويت. ­­­
استبعاد المطالبات المحتملة

قد يرى البعض أن يقتصر تضمين المطالبات في قائمة المطالبات على المطالبات الثابتة المنجزة، وهذا وإن كان يصح في إجراء التصفية إذ سيترتب على تضمين المطالبة ثبوت حق الدائن في التوزيع من حصيلة التفليسة، إلا أن الامر في إعادة التنظيم المالي يختلف؛ إذ إن استبعاد المطالبات المحتملة يترتب عليه ما يأتي:

  • يُضعِف من فرص نجاح خطة إعادة التنظيم المالي، فإن لم تُعالَج هذه المطالبات في المقترَح، ولم تكن واضحة لبيان الموقف المالي للمدين، فقد يؤدي استقرارها وتحولها لأدوات تنفيذية لاحقًا والتنفيذ على أصول المدين منها إلى التأثير على التدفقات المالية اللازمة لتنفيذ الخطة والوفاء للدائنين في المواعيد الواردة فيها.
  • أن يُعد متعارضًا مع نظام الإفلاس وعباراته الصريحة الواردة في الفقرة الأولى من المادة (63) من نظام الإفلاس، ولا يُتصور أن تكون هذه العبارات لغوًا؛ لأن المنظم يُنَزَّه عن اللغو، كما أنه لا يُتصور القول بأن تقديم المطالبات المحتملة والموقوفة والآجلة قُصد منه أن يحققها الأمين ريثما يستقر الأداء أو يتحقق الشرط، فإذا ما تحقق ذلك ضمَّنها في القائمة. وهذا أيضًا أمر لا يتصور كونه مقصود النظام في ظل الآجال القصيرة المحددة لتلقي المطالبات ثم رفع قائمة المطالبات للمحكمة لاعتمادها.

وتضمين المطالبات المحتملة لا يعني أنه ينبغي على الأمين عند إجراء إعادة التنظيم المالي التساهل في تضمين مطالبات لم تثبت بأي دليل، حتى ولو كانت محل إقرار من المدين؛ فقد يلجأ المدين للتحايل بالاتفاق مع بعض مقدمي المطالبات لتضمين بعض المطالبات غير المدعومة بأي دليل؛ سعيًا للتأثير على اتجاهات التصويت أو لفرض مقترح لا يوافق عليه الدائنون الآخرون ولا يحقق مصلحتهم. ولهذا ينبغي استجلاء شبهة المطالبات الاحتيالية التي تتضمن المبالغة في قيمة المطالبة، أو تُقدَّم بالاتفاق مع المدين على ترتيبات تفضيلية سواء بزيادة قيمة الدَّين أو ترتيب ضمانات له بقصد الإضرار بباقي الدائنين.

وفي هذه الحالة ينبغي على الأمين النظر في احتمال وجود شبهة تحايل في تقديم مطالبة بالمخالفة للمادتين (201) فقرة (د)، و(202) فقرة (أ) من نظام الإفلاس، وإحالة الأمر للجهات المعنية عملًا بالمادة (206) من النظام، والجهة المعنية بالتحقيق في الجرائم والمخالفات وهي النيابة العامة عملًا بالمادة (208) من النظام.

إن فلسفة إجراء إعادة التنظيم المالي -الذي يتطلب معالجة شاملة للموقف المالي للمدين- تتطلب أن يتاح للأطراف المعنية بالإجراء خيارات واضحة ذات مصداقية وقابلة للتوقع، وأن تُستبعد المفاجآت التي تؤثر على فرص نجاح الخطة. وهذا الأمر يوجب أخذ المطالبات المحتملة والموقوفة والآجلة وغير المقدرة القيمة في الاعتبار، وتضمينها كمطالبات مقبولة لغرض التصويت متى ثبتت باقي عناصرها بدليل مقبول، وفي الوقت نفسه يتعين الموازنة مع الاعتبارات التي توجب التحوط لمنع إساءة استغلال الإجراء أو التلاعب في عملية التصويت.

 

إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار