تحدي إدارة تدفق الدعاوى
تضمنت الرسالة الشهيرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- عندما ولاه القضاء، والتي عرفت لاحقًا بدستور القضاء، قوله(1): “ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته حقه، وإن أعجزه ذلك، استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء”.
ويشير هذا الجانب من الرسالة إلى أن الدعوى متى صارت صالحة للحكم فيها وجب على القاضي أن يحكم فيها فورًا دون تأخير، ذلك أنه من حق الخصوم الإمهال لتحضير دفاعهم، إذ قد تكون الحجج والبينات التي يستندون إليها غائبة، فإن عجز المدعي عن إثبات دعواه بعد أن مُكن من تحضير دفاعه وظهر للقاضي العناد والمدافعة، لم يضرب له أمدًا بل استحل عليه القضية، وذلك من تمام العدل(2).
وبذلك يرسي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في هذه الرسالة مبدأ العدالة الناجزة، والتي تنبع من أن كل نزاع لا بد أن يكون له حد حتى تستقر المراكز القانونية للأفراد ويتحقق اليقين القانوني مع ضرورة إتاحة الفرصة الكافية لأطراف النزاع لعرض أدلتهم وحججهم القانونية والواقعية والاستماع لدفاعهم.
ويحقق تبني نظام جيد لإدارة العدالة وإدارة أعمال المحاكم فوائد جمة، ذلك أن تحسين آلية تداول الدعاوى يؤدي إلى تقليل الوقت اللازم لنظر كل دعوى وزيادة إنتاجية الجهاز القضائي. ولا يعد تبني نظام جيد لإدارة الدعاوى لازمًا فقط في الأنظمة القضائية التي تعاني من زيادة عبء القضايا وتأخير الفصل فيها أو تراكمها، بل إن إدارة الدعاوى بشكل جيد من خلال الاستخدام الأمثل لموارد المحاكم، ضروري حتى لو كان عبء القضايا معقولًا، فمن شأنه تيسير أعمال القضاة وموظفي المحاكم والمتقاضين والمحامين، وهو ما ينعكس إيجابًا بتعزيز الثقة في النظام القضائي.
تهدف هذه الورقة لعرض الأفكار الرئيسة بشأن الاستراتيجيات والبرامج المختلفة التي تتبناها الأنظمة القضائية للتعامل مع عبء الدعاوى، بهدف الفصل فيها وإنجازها في وقت مناسب مع مراعاة الاعتبارات والغايات الأخرى التي تحيط بالعمل القضائي، وقد تستند هذه البرامج لتشريعات، أو للوائح داخلية أو لتنظيم إداري للعمل، مع إبراز أفضل الممارسات في هذا الصدد.
وتتنوع الاستراتيجيات التي تتبناها الأنظمة القضائية لتقليل التأخير في نظر الدعاوى إلا أنها تدور جميعها حول ثلاث طوائف؛ أولها تطوير إجراءات إدارة النزاع بما في ذلك منع النزاع أو حله من خلال بدائل فض النزاعات، وثانيها تطوير تنظيم المحاكم، وأخيرًا تطوير الموارد البشرية والمالية اللازمة للعمل القضائي(3).
وتركز هذه الورقة على استراتيجيات ومناهج إدارة تدفق الدعاوى، والتحكم في عبئها.
سياسات التعامل مع عبء الدعاوى
الخطوة الأولى للإدارة الجيدة لتدفق الدعاوى هو فهم عبء الدعاوى الواردة كمدخل لتبني سياسة جيدة للتعامل معه، أو حسن إدارة عبء الدعاوى بما من شأنه تخصيص الموارد البشرية والمالية اللازمة للتعامل معه، وفي الممارسة توجد سياسات متنوعة للتعامل مع عبء الدعاوى والتحكم فيه، تشمل:
- التوقع والمراقبة، فيجب أن يتوافر للمحكمة القدرة على توقع عبء الدعاوى بها بما يساعد على فهم عبء العمل المتوقع، وتخصيص الموارد اللازمة لإنجازه بشكل جيد، ويمكن قياس هذا العبء من خلال دراسة البيانات التاريخية، وقياس عبء الدعاوى بالإضافة لوزنها. وفي هولندا على سبيل المثال يتم استخدام نموذج يطلق عليه نموذج Lamicie يستخدم لاحتساب عبء العمل على القضاة وإداريي المحاكم من ناحية الوقت الذي يحتاجه القضاة للتعامل مع الدعاوى، وهذا النموذج يتضمن تصنيف الدعاوى إلى تسع وأربعين طائفة لكل منها وزن محدد ويتم مراجعته بشكل دوري استنادًا إلى الدراسات المتعلقة بإدارة الوقت، أما في أسبانيا فيستخدم نموذج العمل Modulos de trabajo الذي يوضح معدل الوقت الذي سيكرسه القاضي للتعامل مع مختلف أنواع الدعاوى، وهو مؤسس أيضًا على دراسات تتصل بوقت المحكمة، والجدير بالذكر أن جميع الأبحاث المتصلة بتقدير الوقت الذي يتطلبه عمل المحكمة يجب أن تكون محلًّا للمراجعة الدورية(4).
- تقليل عبء الدعاوى، وذلك من خلال تشجيع بدائل فض المنازعات، مثل الوساطة والتوفيق والتقييم الحيادي المبكر والتحكيم، بما يقلل عبء العمل بالمحاكم، وقد يكون ذلك من خلال تبني برامج بدائل تسوية للمنازعات ملحقة بالمحاكم وتحت إشرافها كما عملت عليه بعض الدول مثل سلوفينيا وكرواتيا، فضلًا عن محاكم العديد من الولايات الأمريكية. وهناك أدوات أخرى لتقليل عبء الدعاوى، وذلك بما لا يخل بمبدأ الحق في وسيلة انتصاف فاعلة، ومن بين هذه الأدوات استبعاد الدعاوى صغيرة الحجم من نطاق الاستئناف واعتبار الأحكام الصادرة فيها انتهائية، وكذلك تبني إجراءات لمنع إساءة استخدام الحق في الاستئناف مثل إعطاء الحق لمحكمة الاستئناف في استبعاد الدعاوى ظاهرة فساد التأسيس Manifestly ill founded والتي يتبين أنها كذلك من خلال فحص ظاهر الأوراق، أو فرض جزاءات في حالة التعسف في استخدام حق الطعن مثل تغريم الطاعن، ففي النرويج على سبيل المثال تفحص دائرة من ثلاثة قضاة بمحكمة الاستئناف فحصًا أوليًّا للطعون المقدمة خلال يومين أو ثلاثة من قيد الاستئناف، فإذا ظهر لها أن الاستئناف يبدو بجلاء أنه غير ناجح لفساد تأسيسه يتم استبعاده بقرار نهائي ولا يحال إلى دائرة استماع بمحكمة الاستئناف.
- ومن بين وسائل تقليل عبء الدعاوى، العدالة الجزائية التصالحية، بإعطاء السلطة التقديرية للادعاء العام في حفظ الدعاوى وعدم إحالتها في حالة التصالح بين المتهم والمجني عليه أو بين سلطة الادعاء والمتهم في الدعاوى البسيطة كما يجري عليه العمل في العديد من الأنظمة القضائية.
- التوزيع والإسناد، وتبني نظام لإسناد الدعاوى يتسم بالمرونة يعد من بين السياسات الداعمة لحسن إدارة عبء الدعاوى، وذلك من خلال إعادة توزيع عبء الدعاوى أو دعم القضاة لزملائهم في حالة المرض أو الإجازة السنوية أو غيرها من الأسباب، ويراعى أن يتضمن هذا النظام الاستخدام الأمثل لموارد المحكمة البشرية والمالية، ويكفل تكافؤ الفرص بين الدعاوى، ويحول دون إمكانية التلاعب من خلال السعي لإسناد الدعوى لقاض بعينه فيما يعرف بالتسوق القضائي، كما يتضمن توازنًا في عبء الدعاوى بين القضاة، ويوضح نطاق وحدود المسئولية في كل مرحلة من مراحل نظر الدعوى، مع وضع آلية للرقابة تكفل أن يضطلع كل طرف بمسئولياته(5).
وعلى سبيل المثال في فرنسا يخصص عدد من القضاة يعملون في معاونة رئيس المحكمة للحلول مؤقتًا محل زملائهم في حالة غيابهم لأي سبب من الأسباب فيما يعرف بالقاضي الداعم، وفي هولندا هناك نظام الفرقة الطائرة “Flying Brigade”، وهي عبارة عن وحدة تضم مجموعة من القضاة يقومون بمساعدة دوائر المحكمة من خلال تناول الدعاوى البسيطة والنمطية وبحثها وإعداد مشروع أولي للفصل فيها يرسل لدوائر المحكمة لاعتماده إن أرادت، وذلك لمواجهة العبء المتزايد من الدعاوى(6).
- تخصيص الموارد المناسبة للتعامل مع عبء الدعاوى، ذلك أن الهدف من فهم وتقدير عبء الدعاوى بالمحاكم المختلفة والوقت الذي يتطلبه إنجازها هو تخصيص موارد بشرية من القضاة والإداريين وموارد مالية مثل القاعات والأجهزة وغيرها بما يتناسب مع هذا العبء(7).
سياسات إدارة عبء الدعاوى
علاوة على السياسات والاستراتيجيات المخصصة للتعامل مع عبء الدعاوى من ناحية تقليله أو إسناده أو تهيئة الموارد البشرية والمالية اللازمة، فإنه مما يكمل ذلك تبني سياسات واستراتيجيات لحسن إدارة عبء الدعاوى، وضبط تدفقه، ويقصد بذلك مجموعة الأعمال التي تقوم بها المحكمة للمراقبة والتحكم في تقدم سير الدعاوى منذ قيدها وحتى التصرف فيها، وذلك بغرض التأكد من حسن سير العدالة وفاعليتها.
ومن بين السياسات والاستراتيجيات التي جرى استخدامها وتجربتها في العديد من الأنظمة القضائية:
- التدخل السريع والمراقبة المستمرة
ومؤدى ذلك أن تكون المحكمة -وليس أطراف الخصومة- هي من يتحكم ويراقب التقدم في سير الدعوى، ويكون التدخل المبكر للمحكمة من خلال تدخل القاضي فور رفع الدعوى بوضع نظام لإدارتها بما يشمل إعطاء توجيهات للأطراف والاجتماع بهم لوضع جدول نظر الدعوى والإجراءات المختلفة لها والأجل المحدد لكل إجراء،
أما المراقبة المستمرة فتتضمن أنه من الناحية العملية ومنذ بدء تسجيل الدعوى تبدأ عملية مراقبة سيرها، فيقوم قلم الكتاب بإخضاعها لنظام يمكنه من المراجعة الدورية لتقدم السير فيها، لتكون عملية المراجعة جزءًا من نظام مركزي آلي لإدارة معلومات الدعوى والتحكم في سيرها بوضعها في الإطار النمطي الملائم،
والذي يشمل إجراءات مثل تسجيل بيانات الدعوى، وإصدار ووضع الجدول الزمني لسماعها، وإصدار الأوامر المتعلقة بإدارتها حتى يتم التصرف فيها، سواء كان التصرف بإصدار قرار أو حكم منه للنزاع أو بتسوية النزاع، ويشمل ذلك أيضًا الإجراءات المتعلقة بما بعد التصرف في الدعوى، وتضمن الإدارة المستمرة للدعاوى أنه لن تكون هناك دعوى تضيع في طي النسيان أو الإهمال(8).
كما أن المراقبة المستمرة للمحكمة للتطور في نظر الدعوى تشمل إمكانية توقيع جزاءات إجرائية على من يتخلف من الخصوم عن القيام بإجراء من الإجراءات خلال الأجل المحدد له.
- الإدارة التفاضلية للدعاوى
يقصد بالإدارة التفاضلية للدعاوى Differentiated Case Management DCM أن تغاير المحكمة في إدارتها للدعاوى من جهة حجم الاهتمام الذي تحتاجه الدعوى من القضاة وأعوانهم، والمساحة الزمنية التي يتم إنجاز الدعوى خلالها. وليس المقصود بالإدارة التفاضلية اتباع ما تفرضه القوانين الإجرائية من تباين في اختصاص المحاكم تبعًا لنوع وقيمة الدعوى في القضاء المدني أو تبعًا لجسامة الجريمة في القضاء الجنائي فقط، وإنما يتعدى الأمر ذلك إلى التباين في أساليب إدارة الدعاوى التي تختص بها المحكمة ذاتها.
والأصل أن الدعاوى التي تدخل في اختصاص محكمة بعينها يتبع بشأنها الإجراءات ذاتها والجداول الزمنية، وتكون الأولوية في سماعها -من قبل المحكمة- للأسبق في تاريخ قيد الدعوى. إلا أن هذا الطرح يغفل الاختلافات بين الدعاوى ويؤدي بالضرورة إلى أن بعض الدعاوى يتم إنجازها بسرعة كبيرة في حين تتأخر الدعاوى الأخرى تأخيرًا غير ضروري؛ لأن بعض الدعاوى لا تتطلب اهتمامًا كبيرًا من القاضي في حين أنها ستأخذ المساحة ذاتها من التعاطي من قبله بما يؤثر على قدرته على تناول القضايا التي تحتاج اهتمامًا أكبر، وأوضح مثال لذلك الجنح والمخالفات التنظيمية التي لا تتطلب القدر ذاته من إجراءات التحقيق مثل الجنح التي تقع على آحاد الناس.
ويقوم نظام الإدارة التفاضلية للدعاوى على تخصيص مسارات إجرائية مختلفة حسب درجة تعقيد كل قضية والوقت الذي يتطلبه فحص أدلتها والمرافعة فيها، ليمكن تخصيص مسار للدعاوى البسيطة، وآخر للقضايا الأكثر تعقيدًا، على أن يكون معيار التصنيف حجم القضية وطبيعة المسائل القانونية التي تطرحها وتعدد أطرافها. ويتطلب ذلك مراجعة أولية سريعة للقضايا بعد رفعها مباشرة بحضور ومشاركة الأطراف بهدف إسناد القضية للمسار السليم.
ويجب أن يعتمد التصنيف على معايير واضحة وشفافة، على أن يُمَكَّن المحامون من المثول بهذه الإجراءات التمهيدية لعرض وجهة نظرهم. وإذا ما انتهى التصنيف على هذا النحو فإنه يمكن إدارة جداول نظر الدعاوى بطرق مختلفة وتوزيع عبء الدعاوى بشكل يراعي حجم القضية مع تخصيص العدد المناسب من الموظفين في كل مسار من المسارات(9).
ويُلحظ أنه لا يوجد رقم محدد للمسارات التي يمكن تبنيها وإنما يجب أن يعكس التصنيف التمييز الواقعي في تناول الدعاوى إجرائيًّا ومن خلال تبني مجموعة من المعايير التي تقوم على دراسة متوسط الآجال الزمنية لإنجاز الدعاوى.
وينبغي على المحاكم أن تضع إطارًا زمنيًّا متوقعًا لكل مسار من مسارات الإدارة التفاضلية. فإذا ما تم تبني مسارات ثلاثة تشمل القضايا المعقدة والنمطية والسريعة، فمن الممكن أن يكون الوقت المتوقع لإنجاز الدعاوى المندرجة في المسار السريع ستة أشهر، ومن سنة إلى سنة ونصف للمسار النمطي، وسنتين للمسار المعقد، ويمكن للمحاكم أن تطور طوائف أخرى للتناول المغاير للدعاوى.
وفي كل الأحوال فإن نجاح برنامج الإدارة التفاضلية للدعاوى يتوقف على قدرة المحكمة على التقييم المبكر للدعاوى في لحظة تسجيلها بناء على المعلومات التي يقدمها أطراف الدعوى، وهنا يمكن للقائم بعملية المسح السريع للدعاوى أن يدخل الدعاوى في المسار الإجرائي المناسب، والذي تختلف إجراءات وأساليب إدارة الدعوى به والآجال الزمنية لنظرها.
وقد جرى اتباع أسلوب الإدارة المغايرة للدعاوى في الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى العديد من الولايات، وأسفرت تجارب تطبيقه بشكل ملحوظ عن تخفيض عدد الدعاوى المتداولة في المجالين الجنائي والمدني وزيادة معدل إنجاز القضايا(10).
- إجراءات فاعلة لمراحل تحضير الدعوى
إن الإدارة الفاعلة لمرحلة تحضير الدعوى في الأنظمة القضائية التي تتضمن تحضير الدعوى من شأنه أن ييسر مسألة الفصل فيها، ولتحقيق ذلك فإن هذه الإدارة يجب أن تتسم بالآتي:
- تحديد آجال قصيرة، مع إشعار الخصوم وممثليهم أن جميع طلبات التأجيل ومراجعة جدول سير الدعوى يجب أن تقدم قبل الموعد المحدد، وأنه لن يتم الاستجابة لها ما لم يوجد عذر وسبب معقول للتعديل، واتخاذ الإجراء المناسب قبل المحامين والخصوم الذين لا يلتزمون بالآجال المحددة ولا بالمتطلبات الإجرائية.
- محاولة الاستجابة لطلبات الخصوم والمحامين المعقولة حتى لا يعاد طرحها في مرحلة جلسات نظر الدعوى.
- ضبط الإطار الزمني بواقعية، ليمكن إنجاز الأمر الذي كان سببًا للتأجيل خلال الأجل، مع المراجعة المستمرة لإجراءات إدارة الدعوى من ناحية معقولية الأعباء على الخصوم وممثليهم والنفقات التي يتحملها الخصوم.
- الإدارة الفاعلة لجلسات سماع الدعوى
إن المصداقية التي تتوافر من خلال عقد جلسات الاستماع في الدعوى في الآجال المحددة لها في جدول نظر الدعوى سوف يسهم في جعل الخصوم ومحاميهم مستعدين لهذه الجلسات، بل قد يضع ذلك الضغط عليهم بما يجعلهم يبحثون عن التسوية الودية خارج نطاق المحاكم، كما أن الاستغلال الأمثل لوقت المحكمة في إدارة الجلسات، من شأنه دفع تقدم الدعاوى والفصل فيها في وقت مناسب، وهناك عدة آليات تهيئ لهذه الإدارة الفاعلة ما يأتي:
- انضباط سياسة تضمين القضايا
ويتصل ذلك بتحديد عدد القضايا التي يمكن للمحكمة أن تنظرها في إحدى الجلسات، وأحد الخيارات التي يمكن تبنيها في هذا الصدد هو تحديد جلسات لنظر الدعاوى بغض النظر عن احتمال تسوية بعضها قبل إجراءات سماعها، وقد يؤدي ذلك إلى وجود فائض في الوقت بسبب تسوية بعض الدعاوى أو شطبها، أما الخيار الآخر فيكون بتحديد جلسات لعدد أكبر من القضايا مما يمكن للمحكمة أن تنظره تحسبًا لتسوية بعض هذه الدعاوى أو الحجز فوق طاقة الاستيعاب، وقد يؤدي هذا الخيار مع وجود دعاوى جديدة كثيرة إلى عدم قدرة المحكمة على إنجاز الاستماع لجميع القضايا ورفع معدل ازدحامها.
قد يكون الحل الأمثل تفاديًا لمخاطر الخيارين السابقين هو تبني معامل معقول لتضمين الدعاوى في جدول الجلسات Reasonable Setting Factor (RSF) يحقق التوازن بين المتطلبات الزمنية لنظر الدعاوى وما يتم قيده من دعاوى جديدة. ويقصد بمعامل RSF “العدد الأقل من الدعاوى في كل جلسة الذي يسمح للمحكمة بالتحكم في حصر القضايا القائم وإدارته فيما يتصل بالحجم والعمر الزمني للدعاوى”. ويعتمد هذا المعامل على المرونة المتوفرة لدى كل محكمة.
ومن بين التجارب التي يمكن الإشارة إليها كمثال على سياسة تضمين القضايا نظام الأجندة الذكية المستخدم في محكمة Wrentham بولاية Massachusetts في الولايات المتحدة الأمريكية، ووفقًا لهذا النظام يطلب من القضاة والعاملين في مجال التوفيق والوساطة في مجال القضاء المدني أن يحددوا لكل دعوى معدل السير في إجراءات الخصومة Trial Rating ويبنى هذا المعدل على طبيعة الدعوى والتجارب السابقة بشأن احتمال السير في إجراءات الخصومة دون تسوية، ويتم إعطاء نسب معينة للدعاوى التي من المرجح أن تتم تسويتها أو أن تنتهي بدون حكم يفصل في الدعوى وأخذًا في الاعتبار بالمعدلات السابقة، تحدد نسبة معينة لتضمين القضايا فوق طاقة استيعاب المحكمة بما يجعل هذا التضمين واقعيًّا يحول دون تأجيل القضايا بغير مقتضى من جهة، أو أن يكون هناك فائض غير مستغل في وقت المحكمة من جهة أخرى(11).
مما يساعد على وضع جداول محددة وذات مصداقية لنظر الدعاوى، والإدارة الفاعلة لجلسات التقاضي تتمثل في التقليل من عدد القضايا المؤجلة من جلسة لأخرى دون داع؛ لأن هذا الإجراء يشجع المحامين والخصوم على عدم الاستعداد بشكل كاف للجلسات لتوقعهم أن يتم تأجيل الدعوى.
وقد يكون عدم استعداد المحامين والخصوم لجلسات الاستماع سواء من جهة المستندات أو المذكرات أو إحضار الشهود أو الترافع سببًا دافعًا لتأجيل المزيد من الدعاوى، ومن ثم عدم الاستفادة من وقت المحكمة، وقد تؤدي هذه التأجيلات إلى وضع المزيد من القضايا في جلسات تالية بشكل يعجز المحكمة عن إنهاء إجراءات الجلسة في حينها، فيزيد من توقع المحامين التأجيل، ومن ثم يشجع على عدم الاستعداد للجلسة فيكون المخرج هو المزيد من التأجيلات، فيكون الأمر أشبه بالدائرة المفرغة. والحل لذلك هو حصر الاستجابة للتأجيلات في أضيق الحدود، إذ يكون هناك عذر حقيقي ومعقول يبرر التأجيل، وعلى أن يكون تضمين القضايا في الجلسات التالية مراعيًا عدم تحميل المحكمة عبئًا يعوقها عن نظر الدعاوى في حينها.
- من العناصر التي تعين على الإدارة الفاعلة لوقت جلسات الاستماع هو تناول الدعوى بشكل مركز متسلسل Concentrated approach
يمكن من خلاله تتابع الجلسات لاستكمال إجراءات نظر الدعوى، وتوضح آجال تبادل المذكرات والمرافعات، لا أن يتم تجزئة نظر الدعوى، فيكون تصرف المحكمة ردَّ فعل على سلوك الخصوم في إثبات الدعوى.
أحد الأساليب المميزة لضمان فاعلية الاستفادة من وقت نظر الدعوى هو عقد اجتماع لإدارة جلسات الاستماع قبل أسبوعين على الأكثر من بدئها، ويضم هذا الاجتماع الخصوم أو وكلاءهم ويمكن من خلاله معالجة عدد من المسائل مثل إصدار أية قرارات تتعلق بإجراءات الإفصاح أو الاطلاع المتبادل، إذا لم تكن قد حسمت خلال مرحلة تحضير الدعوى، والوقوف على المسائل القانونية والواقعية محل النزاع والأمور الأخرى غير المتنازع عليها، وتبادل المستندات والمذكرات، ومراجعة الالتماسات والطلبات الأولية والوقتية والفصل فيها قبل جلسات نظر الدعوى، وتبادل قائمة الشهود وجدولة سماع أقوالهم وتجنب أي شكل من أشكال الازدواج في الشهادة، ومناقشة وإصدار القرارات بشأن أية مسألة محتملة تتصل بقبول الأدلة، ومعالجة أية احتياجات خاصة لنظر الدعوى مثل وجود مترجمين أو سماع شاهد عن طريق الدوائر التليفزيونية، أو شبكة المعلومات، واتخاذ الترتيبات والتقنيات اللازمة لذلك في حينها، مع الحرص على إنفاذ الآجال الزمنية والحفاظ على دقة وزخم الجلسات وأن تُقدَّم أدلة الدعوى دون مقاطعات مكررة، أو آجال غير مبررة.
ويمكن للقاضي أن يفرض ذلك من خلال استخدام آجال زمنية للإجراءات أمام المحاكم على أن تكون على قدر من المعقولية والمرونة في مختلف مراحل الدعوى من تبادل المستندات والمذكرات وسماع الشهود والمرافعات والتعقيبات الختامية، ويجب أن تحدد هذه الآجال مسبقًا بالتشاور مع الخصوم على أن يتسم ذلك بقدر من المعقولية بما يتناسب وظروف كل دعوى، ويمكن مع ذلك تعديل هذه الآجال خلال نظر الدعوى إذا دعت الحاجة لذلك وعلى أن يكون ذلك في أضيق نطاق(12).
- الإدارة الجيدة للمعلومات القضائية
بما يشمل تبني تقنيات حديثة لتتبع سير الدعاوى والوقوف على ما تم فيها، فضلًا عن الوقوف على المعلومات اللازمة للفصل في القضية المتاحة لدى محاكم أخرى أو لدى بعض الدوائر الحكومية.
- تقارير فاعلة لإدارة الدعاوى
تؤدي تقارير إدارة تدفق الدعاوى وظيفتين؛ فهي من ناحية توفر معلومات بشأن مدى استغلال الموارد المتاحة للمحاكم الاستغلال السليم، ومن ناحية أخرى تتضمن معايير قياس الأداء التي يجب أن يعتمد عليها القائمون على إدارة المحاكم من أجل التعرف على المشكلات ومحاولة حلها.
ويجب أن تتسم التقارير بالدقة كما يجب أن تتيح للمحكمة تقييم أدائها في ضوء المعايير والأهداف الموضوعة سلفًا، ويجب أن تكون متاحة للقضاة والقائمين على إدارة المحاكم. وحتى تؤدي تقارير إدارة تدفق الدعاوى هذه الوظائف يجب أن تتسم بالسمات الآتية:
- دقة البيانات والقابلية للمقارنة
فلن تكون تقارير إدارة تدفق الدعاوى مفيدة إلا إذا كانت البيانات التي أسست عليها تتسم بالدقة والتناسق. وقد يكون عدم دقة هذه البيانات راجعًا لنقصها أو عدم إدخالها بطريقة صحيحة، كما يجب لضمان دقة إدخال البيانات أن يعهد لفريق من الفنيين بتدقيق ومراجعة البيانات المدخلة والأسس التي قام الموظف بناء عليها بإدخال البيانات، ومن ثم اكتشاف الأخطاء وتداركها، ومن المهم لذلك الغرض تعريف المقصود بجميع مراحل نظر الدعوى الرئيسة حتى لا يثير الأمر لبسًا لدى القائمين على إدخال البيانات، فينبغي تعريف متى تكون الدعوى مسجلة، ومتى تكون الدعوى متداولة أو منتهية، فقد يكون إنهاء الدعوى بصدور حكم منه للخصومة أو بشطب الدعوى وعدم تجديدها في الموعد المحدد قانونًا أو بأي عارض من عوارض الخصومة يحيل الدعوى من الحالة النشطة للحالة الخاملة. ومن المهم أيضًا في هذا المجال تنظيم الأمر من الناحية الإدارية بشكل موحد حتى تكون البيانات ذات مصداقية ومعبرة عن الواقع العملي.
- تحديد نوعية البيانات التي يتم تسجيلها ووضعها في التقارير
فمع تعدد أنواع الدعاوى واختلاف طوائفها، والإجراءات المختلفة المتخذة في كل دعوى، وما قد يعرض لها من عوارض قد تثير الخلط لدي موظفي المحكمة بشأن نوعية البيانات التي يجب إدخالها أو إهمالها. وقد يؤدي إدخال المزيد من البيانات إلى تزايد الرموز وتعقيدها وتقديم صورة غير واضحة عن عمل المحكمة في إدارة الدعاوى، كما قد يؤدي نقص البيانات إلى النتيجة نفسها. لذلك يجب أن توضح -بشكل لا لبس فيه- البيانات التي يتم إدخالها في نظام معلومات المحكمة وتبني تعريفات ورموز موحدة لها تفاديًا للأخطاء ولنقص أو زيادة البيانات عن الحد اللازم.
والتي تتعلق بتضمين البيانات التي يحتاج إليها القائمون على إدارة المحاكم والقضاة لتقييم الموقف الحالي، واستخدام المعلومات الواردة بالتقارير بشكل إيجابي لإدارة عبء الدعاوى، دون أن تكون التقارير متخمة ببيانات زائدة عن المطلوب، أو قاصرة عن تقديم صورة واقعية لحالة إدارة الدعاوى بالمحكمة، لذلك فإن أهم البيانات التي يجب أن يتضمنها التقرير تشمل بيانات بشأن حالة القضايا الفردية، فيجب أن يكون أمام القضاة معلومات بشأن الدعاوى التي سينظرونها على الأقل خلال أسبوع سابق على مثول الأطراف أمام المحكمة. ويجب أن يوضح الجدول الأسبوعي للدائرة أسماء الخصوم وأنواع الدعاوى وأنماطها ومواعيد نظرها.
كما يجب أن تتضمن التقارير بيانات بشأن عبء الدعاوى على مستوى المحكمة وتشمل معدل الإنجاز، وحجم الدعاوى الباقية، ومؤشر التراكم، ومعدل عمر القضايا الباقية، والمنجزة، ومعدل التأجيل، وذلك لقياس مدى تحقق أهداف إدارة الدعاوى بوجه عام على مستوى المحكمة أو على مستوى المؤسسة القضائية ككل، فضلًا عن أنه -فيما يتصل بالتأجيلات- يفضل أن يتضمن التقرير بيانات نوعية قابلة للتحليل بشأن التأجيلات التي تم منحها، من جهة نوعها، وسبب الأجل، والطرف طالب التأجيل، وسوف تساعد هذه البيانات القضاة على الإلمام بكم التأجيلات التي تم منحها، ومن ثم تساعدهم على إدارة عبء الدعاوى بشكل مناسب.
ويتوقف نجاح تقارير إدارة الدعاوى في أداء وظيفتها بشكل عام على قناعة القائمين بإدارة الدعاوى بأهميتها في تحقيق أهداف الإدارة الناجحة للعدالة، وعلى مدى دقة البيانات الواردة بها، وعلى الطريقة التي يتم عرضها بها، والتي يجب أن تكون موجزة ومبسطة بشكل يسهل على القائمين على الإدارة التعامل معها. ولضمان نجاعة التقارير في تحقيق فاعلية إدارة تدفق الدعاوى يجب أن تصدر بشكل دوري، سواءٌ كانت سنوية أو نصف سنوية أو ربع سنوية.
إدارة البحوث والدراسات بإشراف الدكتور مصطفى عبد الغفار
(١) نقلها ابن القيم في إعلام الموقعين.
(٢)سعود محمد الطريفي، مقومات العدل في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ٢٠٠٤، ص ١١١.
(٣)Gar Yein Ng, Quality of Judicial Organization and Checks and Balances, G.J. Wiarda Institute for Legal Research, Utrecht, The Netherlands, 2007, P. 6.
(٤)د. مصطفى عبد الغفار، مناهج وضع السياسات القضائية وإدارة أعمال المحاكم، دار النهضة العربية، ٢٠١٥، ص: ٣٩٥.
(٥)David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 114.
(٦) Philip M. LANGBROEK and Marco FABRI, The Right Judge for Each Case: A Study of Case Assignment and Impartiality in Six European Judiciaries, Antwerp, Intersentia, 2007., P. 16.
(٧) European Commission for the Efficiency of Justice, Best Practices on Time Management of Judicial Proceedings, Council of Europe, 2006, P. 17.
(٨) David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 3.
(٩) UNODC, Resource Guide on Strengthening Judicial Integrity and Capacity, United Nations Publications, Vienna, 2011, P.51.
(١٠) David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 5.
(١١) David C. Steelman, John A. Goerdt and James E. Mcmillan, Case flow Management, The Heart of Court Management in the New Millennium, OP, P. 9.
(١٢) UNODC, Resource Guide on Strengthening Judicial Integrity and Capacity, OP, P. 49